بها. وفرَّق معاوية بين رجلٍ وامرأته قال لها: إن خرجتِ فأنتِ خليَّةٌ١. وقال علي وابن عمر وزيد في البريَّة: إنَّها ثلاثٌ٢. وقال عمر: هي واحدةٌ وهو أحقُّ بها٣. وقال علي في الحرج: هي ثلاثٌ٤. وقال عمر: واحدةٌ٥. وقد تقدَّم ذكر أقوالهم في «أمركِ بيدكِ» و«أنتِ حرامٌ».
واللَّه سبحانه ذكر الطَّلاق ولم يُعيِّن له لفظًا، فعُلِم أنَّه ردَّ النَّاس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فأيُّ لفظٍ جرى عُرْفُهم به وقع به الطَّلاق مع النِّيَّة.
والألفاظ لا تُراد لعينها، بل٦ للدَّلالة على مقاصد لافظِها، فإذا تكلَّم بلفظٍ دالٍّ على معنًى، وقصد به ذلك المعنى= ترتَّب عليه حكمه، ولهذا يقع الطَّلاق من العجميِّ والتُّركيِّ والهنديِّ بألسنتهم، بل لو طلَّق أحدهم بصريح
(١) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٩٣) من طريق حماد بن سلمة عن مروان الأصفر عنه. ورجاله ثقات.
(٢) أما أثر ابن عمر وعلي فقد سبق تخريجه، وأما أثرُ زيدٍ فأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٤٤) من طريق سعيد بن هشام، وسنده لا بأس به؛ فيه عمر بن عامر البصري قال ابن عدي: شيخ صالح، وقال النسائي: ليس بالقوي. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨٤٥٤، ١٨٤٧٣، ١٨٤٨٠) من طريق سعيد عن قتادة أن زيد بن ثابت كان يقول: في البتة والبرية والبائنة ثلاث، وسنده ضعيف؛ قتادة لم يدرك زيدًا.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨١٧٥) من طريق خلاس وأبي حسان، وسنده صحيح، وصححه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٩٤)، وأخرجه عبد الرزاق (١١٢٠٩) من طريق قتادة عنه، وسنده ضعيف؛ قتادة لم يدرك عليًّا.
(٥) حكاه عنه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٩٤) دون إسناد.
(٦) «بل» ليست في د.
الطَّلاق بالعربيَّة، ولم يفهم معناه لم يقع به شيءٌ قطعًا، فإنَّه تكلَّم بما لا يفهم معناه ولا قَصَدَه. وقد دلَّ حديث كعب بن مالكٍ على أنَّ الطَّلاق لا يقع بهذا اللَّفظ وأمثالِه إلا بالنِّيَّة.
والصَّواب أنَّ ذلك جارٍ في سائر الألفاظ صريحِها وكنايتِها، ولا فرقَ بين ألفاظ العتق والطَّلاق، فلو قال: غلامي غلامٌ حرٌّ لا يأتي الفواحش، أو أَمتي أمةٌ حرَّةٌ لا تَبغِي الفجور، ولم يخطُر بباله العتقُ ولا نواه= لم يَعتِقْ بذلك قطعًا. وكذلك لو كانت معه امرأته في طريقٍ فافترقا، فقيل له: أين امرأتك؟ فقال: فارقتُها، أو سَرَّح شعرها وقال: سَرَّحتُها ولم يُرِد طلاقًا= لم تطلق. وكذلك إذا ضربَها الطَّلْقُ١ وقال لغيره إخبارًا عنها بذلك: إنَّها طالقٌ= لم تطلقْ بذلك. وكذلك إذا كانت المرأة في وثاقٍ فأُطلِقت منه، فقال لها: أنتِ طالقٌ، وأراد من الوثاق٢.
هذا كلُّه مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصُّور، وبعضها نظير ما نصَّ عليه، ولا يقع الطَّلاق حتَّى ينويه ويأتي بلفظٍ دالٍّ عليه، فلو انفرد أحد الأمرين عن الآخر لم يقع الطَّلاق ولا العتاق. وتقسيم الألفاظ إلى صريحٍ وكنايةٍ وإن كان تقسيمًا صحيحًا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للَّفظ لذاته، فربَّ لفظٍ صريحٍ عند قومٍ كنايةٌ عند آخرين، أو صريحٌ في زمانٍ ومكانٍ كنايةٌ في غير ذلك المكان والزَّمان، والواقع شاهدٌ بذلك، فهذا لفظ «السَّراح» لا يكاد أحدٌ يستعمله في الطَّلاق لا صريحًا ولا كنايةً، فلا يَسُوغُ أن يقال: إنَّ من تكلَّم به