ووجه المنع: استفادة حكم ما أطلقه ممَّا قيَّده، إمَّا بيانًا على الصَّحيح، وإمَّا قياسًا قد أُلغِي فيه الفارق بين الصُّورتين، وهو سبحانه لا يُفرِّق بين المتماثلين، وقد ذكر ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ مرَّتين، فلو أعاده ثالثًا طالَ١ به الكلام، ونبَّه بذكره مرَّتين على تكرُّر حكمه في الكفَّارات، ولو ذكره في آخر الكلام مرَّةً واحدةً، لأوهمَ اختصاصَه بالكفَّارة الأخيرة، ولو ذكره في أوَّل مرَّةٍ لأوهم اختصاصَه٢ بالأول، وإعادته في كلِّ كفَّارةٍ تطويلٌ، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما وقع.
وأيضًا فإنَّه نبَّه بالتَّكفير قبلَ المسيس بالصَّوم ــ مع تطاولِ زمنه وشدَّة الحاجة إلى مسيس الزَّوجة ــ على أنَّ اشتراط تقدُّمه في الإطعام الذي لا يطولُ زمنه أولى.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أمر بالصِّيام قبل المَسِيس، وذلك يعمُّ المسيسَ ليلًا ونهارًا. ولا خلاف بين الأمَّة٣ في تحريم وطئها في زمن الصَّوم ليلًا٤، وإنَّما اختلفوا هل يبطُل التَّتابعُ به؟ وفيه قولان، أحدهما: يبطل، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه. والثَّاني: لا يبطل، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في روايةٍ أخرى عنه.
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لطال».
(٢) «بالكفارة ... اختصاصه» ساقطة من م.
(٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الأئمة».
(٤) بعدها في المطبوع: «ونهارًا». وليست في النسخ.
والَّذين أبطلوا التَّتابع معهم ظاهرُ القرآن، فإنَّه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيس، ولم يوجد، ولأنَّ ذلك يتضمَّن النَّهي عن المسيس قبل إكمال الصِّيام وتحريمه، وهو يوجب عدم الاعتداد بالصَّوم؛ لأنَّه عملٌ ليس عليه أمر رسول الله ﷺ، فيكون رَدًّا.
وسرُّ المسألة أنَّه سبحانه أوجب أمرين أحدهما: تتابع الشَّهرين، والثَّاني: وقوع صيامهما قبل التَّماسِّ، فلا يكون قد أتى بما أُمِر به إلا بمجموع الأمرين.
فصل
ومنها: أنَّه سبحانه أطلق إطعام المساكين، ولم يُقيِّده بقدرٍ ولا تتابعٍ، وذلك يقتضي أنَّه لو أطعمهم فغدَّاهم أو عشَّاهم من غير تمليك حبٍّ أو تمرٍ جاز، وكان ممتثلًا لأمر اللَّه. وهذا قول الجمهور: مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وسواءٌ أطعمهم جملةً أو متفرِّقين.
فصل
ومنها: أنَّه لا بدَّ من استيفاء عدد السِّتِّين، فلو أطعم واحدًا ستِّين يومًا لم يُجْزِئْه إلا عن واحدٍ. هذا قول الجمهور مالك والشَّافعيِّ وأحمد في إحدى الروايات١ عنه. والثَّانية: أنَّ الواجب طعام ستِّين مسكينًا، ولو لواحد، وهو مذهب أبي حنيفة. والثَّالثة: أنه إن وجد غيره لم يُجزِئْه، وإلَّا أجزأه، وهذه ظاهر مذهبه، وهي أصحُّ الأقوال.