فاستدلَّ الشَّافعيُّ بأنَّ لسان العرب يقتضي حمْلَ المطلق على المقيَّد إذا كان من جنسه، فحَملَ عرْفَ الشَّرع على مقتضى لسانهم.
وهاهنا أمران:
أحدهما: أنَّ حمل المطلق على المقيَّد بيانٌ لا قياسٌ.
الثَّاني: أنَّه إنَّما يُحمَل عليه بشرطين، أحدهما: اتِّحاد الحكم، والثَّاني: أن لا يكون للمطلق١ إلا أصلٌ واحدٌ. فإن كان بين أصلين مختلفين لم يُحمَل إطلاقه على أحدهما إلا بدليلٍ بعينِه٢.
قال الشَّافعيُّ: ولو نذر رقبةً مطلقةً لم تُجزِئه إلا مؤمنةٌ. وهذا بناءً على هذا الأصل، وأنَّ النَّذر محمولٌ على واجب الشَّرع، وواجب العتق لا يتأدَّى إلا بعتق المسلم. وممَّا يدلُّ على هذا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمن استفتى في عتق رقبةٍ منذورةٍ: ائْتِني بها، فسألها أينَ اللَّه؟ فقالت: في السَّماء، فقال: «من أنا؟»، فقالت: أنت رسول اللَّه، فقال: «أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ»٣. قال الشَّافعيُّ٤: فلمَّا وَصَفَت الإيمانَ أمر بعتقها. انتهى.
وهذا ظاهرٌ جدًّا أنَّ العتق المأمور به شرعًا لا يُجزِئ إلا في رقبةٍ مؤمنةٍ، وإلَّا لم يكن للتَّعليل بالإيمان فائدةٌ، فإنَّ الأعمَّ متى كان علَّةً للحكم كان الأخصُّ عديمَ التَّأثير.
(١) في النسخ: «المطلق».
(٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «يعيّنه».
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
(٤) في «الأم» (٦/ ٧٠٧).
وأيضًا فإنَّ المقصود من إعتاق المسلم تفريغُه لعبادة ربِّه، وتخليصه من عبوديَّة المخلوق إلى عبوديَّة الخالق، ولا ريبَ أنَّ هذا أمرٌ مقصودٌ للشَّارع محبوبٌ له، فلا يجوز إلغاؤه. وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغُ العبد لعبادته وحده، وتفريغُه لعبادة الصَّليب أو الشَّمس والقمر والنَّار؟
وقد بيَّن سبحانه اشتراطَ الإيمان في كفَّارة القتل، وأحال ما سكت عنه على بيانه، كما بيَّن اشتراط العدالة في الشَّاهدين، وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بيَّنه، وكذلك غالبُ مُطلَقاتِ كلامه سبحانه ومقيّداتها لمن تأمَّلها، وهي أكثر من أن تُذكر. فمنها: قوله فيمن أمر بصدقة أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء: ١١٤] وفي موضعٍ آخر بل مواضعَ يُعلَّق الأجر بنفس العمل اكتفاءً بالشَّرط المذكور في موضعه. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾[الأنبياء: ٩٤]، وفي مواضعَ يُعلَّق الجزاء بنفس الأعمال الصَّالحة اكتفاءً بما عُلِم من شرط الإيمان، وهذا غالبٌ في نصوص الوعد والوعيد.
فصل
ومنها: أنَّه لو أعتقَ نصفَيْ رقبتينِ لم يكن مُعتِقًا لرقبة، وفي هذا ثلاثة أقوالٍ للنَّاس١، وهي رواياتٌ عن أحمد، ثانيها: الإجزاء، وثالثها وهو أصحُّها: أنَّه إن تكمَّلت الحرِّيَّة في الرَّقبتين أجزأه، وإلَّا فلا، فإنَّه يصدُق عليه أنَّه حرَّر رقبةً، أي جعلها حرَّةً، بخلاف ما إذا لم تكمل الحرِّيَّة.