زاد المعاد

أدركتُ بضعةَ عشر رجلًا من الصَّحابة كلُّهم يُوقِف١ المؤلي. يعني: بعد أربعة أشهرٍ.

وروى سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه، قال: سألتُ اثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن المؤلي، فقالوا: ليس عليه شيءٌ حتَّى تمضي أربعة أشهرٍ٢. وهذا قول الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم.

وقال عبد الله بن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ: إذا مضت الأربعة٣ أشهرٍ، ولم يفئ فيها، طلقت منه بمُضِيِّها٤. وهذا قول جماعةٍ من التَّابعين، وقول أبي حنيفة وأصحابه، فعند هؤلاء يستحقُّ المطالبة قبل مُضِيِّ الأربعة أشهر٥، فإن فاء وإلَّا طلقت بمضيِّها. وعند الجمهور لا يستحقُّ المطالبة

  1. (١) ز: «يقف».
  2. (٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٤٩٣) والدارقطني في «السنن» (٤٠٣٩) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٧٧) من طريق عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح به. قال الألباني في «الإرواء» (٢٠٨٥): «وسنده صحيح على شرط مسلم».
  3. (٣) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «أربعة».
  4. (٤) أخرجه بنحوه الطبري (٤/ ٦٤، ٦٦، ٦٧، ٦٨) من طريق قتادة ومسروق والشعبي والنخعي عن ابن مسعود: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة. وصحح إسنادَه الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤٢٨)، وله طرق أخرى عند الطبراني وغيره، ولا تخلو من مقال، انظرها في «مجمع الزوائد» (٥/ ١١).
    وأما أثر زيد فأخرجه الطبري في «تفسيره» (٤/ ٦٦، ٦٥) من طريقين عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة، عنه، وحسَّن إسنادَه الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤٢٨).
  5. (٥) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «الأشهر».
485

حتَّى تمضي الأربعة أشهر١، فحينئذٍ يقال له: إمَّا أن تفيء، وإمَّا أن تطلِّق، وإن لم يفئ أُخِذ بإيقاع الطَّلاق، إمَّا بالحاكم وإمَّا بحبسه حتَّى يطلِّق.

قال الموقعون للطَّلاق بمُضِيِّ المدَّة: آية الإيلاء تدلُّ على ذلك من ثلاثة أوجهٍ:

أحدها: أنَّ عبد الله بن مسعودٍ قرأ: (فإن فاءوا فيهنَّ فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ)، فإضافة الفيئة إلى المدَّة تدلُّ على استحقاق الفيئة فيها. وهذه القراءة إمَّا أن٢ تُجرى مُجرى خبر الواحد، فتُوجِب العملَ وإن لم تُوجِب كونَها من القرآن، وإمَّا أن تكون قرآنًا نُسِخ لفظه وبقي حكمه، لا يجوز فيها غير هذا البتَّة.

الثَّاني: أنَّ الله سبحانه جعل مدَّة الإيلاء أربعة أشهرٍ، فلو كانت الفيئة بعدها لزادت على مدَّة النَّصِّ، وذلك غير جائزٍ.

الثَّالث: أنَّه لو وطئها في مدَّة الإيلاء لوقعت الفيئةُ موقعَها، فدلَّ على استحقاق الفيئة فيها.

قالوا: ولأنَّ الله سبحانه جعل لهم تربُّصَ أربعة أشهرٍ، ثمَّ قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٢٦ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، وظاهر هذا أنَّ هذا التَّقسيم في المدَّة التي لهم فيها التربُّصُ، كما إذا قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة أشهرٍ، فإن وفَّيتَني وإلَّا حبستُك، فلا يُفهَم من هذا إلا: إن وفَّيتَني في المدَّة، ولا يُفهم منه: إن وفَّيتَني بعدها، وإلَّا كانت مدَّة الصَّبر أكثر من أربعة أشهرٍ، وقراءة ابن

  1. (١) «أشهر» ليست في م، ح.
  2. (٢) «أن» ليست في م.
486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي