وقالت طائفة: كان رسول الله ﷺ مما يُكثر الطِّيب قد احمرَّ شعره، فكان يُظَنُّ مخضوبًا ولم يُخضَب. قال أبو رمثة: أتيت النبي ﷺ مع ابن لي فقال: «ابنك٢؟». فقلت: نعم، أشهد به. قال: «لا تجني عليه ولا يجني عليك»، قال: ورأيت الشَّيب أحمر. قال الترمذي٣: هذا أحسنُ شيء روي في هذا الباب وأفسَرُه، لأن الروايات الصحيحة أن النبي ﷺ لم يبلغ الشيب.
قال حماد بن سلمة٤، عن سماك بن حرب: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله ﷺ شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شَيب، إلا شعراتٍ في مفرِق رأسه، إذا ادَّهَن واراهنَّ الدُّهنُ.
(١) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٤٨)، وفيه عمرو بن عاصم، ضعيف. وأخرج الحاكم (٢/ ٦٠٧) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز واليها، فبعث إليه عمر وقال للرسول: سَلْه هل خضب رسول الله ﷺ؟ فإني رأيت شعرًا من شعره قد لُوِّن، فقال أنس: «إن رسول الله ﷺ كان قد مُتِّع بالسواد، ولو عددتُ ما أقبل عليَّ من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لوِّن من الطيب الذي كان يطيِّب شعر رسول الله ﷺ»، إسناده حسن، وصححه الحاكم.
(٢) زاد بعض مَن قابل ع على نسخة أخرى من الكتاب «هذا» بعد «ابنك» كما في «الشمائل».
(٣) في «الشمائل» (٤٥)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٧١١١، ٧١١٣)، وانتقاه ابن الجارود (٧٧٠). وعند أبي داود (٤٢٠٦، ٤٢٠٨) والنسائي في «الكبرى» (٩٣٠٣): «قد لطخ لحيته بالحناء». وانظر: «المسند» (٧١٠٤، ٧١١٤، ٧١١٥، ٧١١٦)، والحديث صحيح.
(٤) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٤٤)، وبنحوه أخرج مسلم (٢٣٤٤).
قال أنس: وكان رسول الله ﷺ يُكثِر دهنَ رأسه ولحيته، ويُكثِر القناع كأنَّ ثوبه ثوب زيات١.
وكان يُغِبُّ٢ الترجُّل. وكان يرجِّل نفسَه تارةً، وترجِّله عائشة تارةً. وكان شَعْره فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة، وكانت جُمَّته تضرب شحمة أذنيه، وإذا طال جعله غدائر أربعًا. قالت أم هانئ: قدِم علينا رسولُ الله ﷺ مكة قَدْمةً، وله أربع غدائر. والغدائر: الضفائر. وهذا حديث صحيح٣.
وكان ﷺ لا يرُدُّ الطِّيب. وثبت عنه في «صحيح مسلم»٤ أنه قال: «مَن عُرِض عليه ريحان فلا يرُدَّه، فإنه طيِّب الرِّيح٥ خفيف المحمِل». هذا لفظ
(١) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٣٣، ١٢٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٠٤٥). وفيه الربيع بن صبيح ويزيد بن أبان الرقاشي، كلاهما ضعيف. والحديث ضعفه الألباني في «مختصر الشمائل» (٢٦). وله شاهد ضعيف من حديث سهل بن سعد عند البيهقي في «الشعب» (٦٠٤٦)، وفيه محمد بن هارون الأزدي، فيه لين، وبشر بن مبشر، مجهول. انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٢٣٥٦).
(٢) ن: «يحب»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٨، ٣١) و«الجامع» (١٧٨١) وأحمد (٢٦٨٩٠، ٢٧٣٨٩، ٢٧٣٩٠) وأبو داود (٤١٩١) وابن ماجه (٣٦٣١). قال الترمذي: «هذا حديث غريب، قال محمد [أي البخاري]: لا أعرف لمجاهد سماعًا من أم هانئ». ثم ذكر له طريقًا آخر عن مجاهد عن أم هانئ، وحسنّه! وذكر الذهبي في «السير» (٢٨/ ٣٦١ - السيرة النبوية) أن سماعه عنها محتمل، وجزم به في «تذكرة الحفاظ» (١/ ٩٢). والحافظ حسن إسناده في «الفتح» (١٠/ ٣٦٠). وصححه المؤلف والألباني في «مختصر الشمائل» (٢٣).
(٤) برقم (٢٢٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في الطبعة الهندية: «الرائحة» مع الإشارة إلى نسخة «الريح» في الحاشية، فتابعتها جميع الطبعات. ولفظ «الريح» هو الوارد في أصولنا وفي «صحيح مسلم».