منكما تائبٌ؟»، [ثم قامت]١ فشهدت، فلمَّا كانت عند الخامسة وقَّفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبةٌ. قال ابن عبَّاسٍ: فتلكَّأتْ ونَكصَتْ حتَّى ظننَّا أنَّها ترجع، ثمَّ قالت: لا أفضَحُ قومي سائرَ اليوم، فمضَتْ. فقال النَّبيُّ ﷺ: «أبصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأَلْيتينِ خَدَلَّجَ السَّاقين فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»، فجاءت به كذلك، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأنٌ».
وفي «الصَّحيحين»٢ أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرَّجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: لا، فقال سعد: بلى والَّذي أكرمَكَ٣ بالحقِّ، فقال رسول الله ﷺ: «اسمعُوا إلى ما يقول سيِّدكم».
وفي لفظٍ آخر٤: يا رسولَ اللَّه، إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا أُمهِلُه حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم».
وفي لفظٍ آخر٥: لو وجدتُ مع أهلي رجلًا لم أَهِجْهُ حتَّى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم»، قال: كلَّا والَّذي بعثك بالحقِّ٦، إن كنتُ لأعاجلُه بالسَّيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ: «اسمعُوا إلى ما يقول
(١) الزيادة من هامش ز. وكذا الرواية.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٤٦، ٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٨/ ١٤) واللفظ له.
(٣) في المطبوع: «بعثك» خلاف النسخ والرواية.
(٤) عند مسلم (١٤٩٨/ ١٥).
(٥) عند مسلم (١٤٩٨/ ١٦) أيضًا، غير أنه قال: (لم أمسَّه) بدل (لم أَهِجْه).
(٦) بعدها في المطبوع: «نبيا». وليست في النسخ والرواية.
سيِّدكم، إنَّه لغيورٌ، وأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي».
وفي لفظٍ١: لو رأيتُ مع امرأتي رجلًا لضربته بالسَّيف غير مُصْفَحٍ٢، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أتعجبون من غيرة سعدٍ؟ فواللَّه لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي، من أجْلِ ذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا شخصَ أغيرُ من اللَّه، ولا شخصَ أحبُّ إليه العذرُ من اللَّه، من أجلِ ذلك بعث الله المرسلين مبشِّرين ومنذرين، ولا شخصَ أحبُّ إليه المِدْحةُ من اللَّه، من أجل ذلك وعدَ الله الجنَّة».
فصل
فاستُفيد من هذا الحكم النَّبويِّ عدة أحكامٍ:
الحكم الأوَّل: أنَّ اللِّعان يصحُّ من كلِّ زوجين، سواءٌ كانا مسلمين أو كافرين، عدلينِ أو فاسقين، محدودينِ في قذفٍ أو غير محدودين أو أحدهما. كذلك قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصورٍ٣: جميع الأزواج يلتعنون؛ الحرُّ من الحرَّة والأمة إذا كانت زوجةً، والعبد من الحرَّة والأمة إذا كانت زوجةً، والمسلم من اليهوديَّة والنَّصرانيَّة. وهذا قول مالك وإسحاق، وقول سعيد بن المسيِّب والحسن وربيعة وسليمان بن يسارٍ٤.
(١) أخرجه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٢) يروى بكسر الفاء وفتحها، والمعنى غير ضاربٍ بصفح السيف وهو جانبه، ومن فتحها جعلها وصفًا للسيف وحالًا منه.
(٣) كما في «المغني» (١١/ ١٢٢). ولم أجدها في «المسائل».
(٤) أما الحسن فقوله عند عبد الرزاق (١٢٥٠٦) من طريق الثوري عن يونس عنه، وسنده صحيح. وانظر بقية الأقوال في «المغني» (١١/ ١٢٢).