زاد المعاد

هاهنا صفةٌ بمعنى غير، والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، فإنَّ «غير» و«إلَّا» تتقارضان١ الوصفيَّة والاستثناء، فيُستثنى بـ «غير» حملًا على «إلَّا»، ويوصف بـ «إلّا» حملًا على «غير».

ويقال ثانيًا: إنَّ «أنفسهم» مستثنَيْنَ٢ من الشُّهداء، ولكن يجوز أن يكون منقطعًا على لغة بني تميمٍ، فإنَّهم يُبدِلون في الانقطاع كما يُبدِل أهل الحجاز وهم في الاتِّصال.

ويقال ثالثًا: إنَّما استثنى أنفسهم من الشُّهداء؛ لأنَّه نزَّلهم منزلتهم في قبول قولهم، وهذا قويٌّ جدًّا على قول من يرجم المرأة بالْتِعان الزَّوج إذا نَكَلَتْ، وهو الصَّحيح كما يأتي تقريره إن شاء الله.

والصَّحيح أنَّ لعانهم يجمع الوصفين: اليمين والشَّهادة، فهو شهادةٌ مؤكَّدةٌ بالقسم والتَّكرار، ويمينٌ مغلَّظةٌ بلفظ الشَّهادة والتَّكرار؛ لاقتضاء الحال تأكيدَ الأمر، ولهذا اعتبر فيه من التَّأكيد عشرة أنواعٍ:

أحدها: ذكر لفظ الشَّهادة.

الثَّاني: ذكر القسم بأحدِ أسماء الرَّبِّ سبحانه وأجمَعِها لمعاني أسمائه الحسنى، وهو اسمه «الله» جلَّ ذكره.

الثَّالث: تأكيد الجواب بما يُؤكَّد به المُقْسَم عليه من «إنَّ» و«اللَّام»، وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادقٌ وكاذبٌ دون الفعل الذي هو صدق وكذب.

  1. (١) في المطبوع: «يتعاوضان». والمثبت من النسخ هو الصواب. يقال: تقارضا الشيءَ والأمرَ: تبادلاه.
  2. (٢) كذا في النسخ. والصواب: «مستثنَونَ». وفي المطبوع: «مستثنى».
506

الرَّابع: تكرار ذلك أربع مرَّاتٍ.

الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين.

السَّادس: إخباره عند الخامسة أنَّها الموجبة لعذاب اللَّه، وأنَّ عذاب الدُّنيا أهونُ من عذاب الآخرة.

السَّابع: جعل لعانه مقتضِي١ لحصول العذاب عليها، وهو إمَّا الحدُّ وإما الحبس، وجعل لعانها دارئًا للعذاب عنها.

الثَّامن: أنَّ هذا اللِّعان يوجب العذاب على أحدهما، إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخرة.

التَّاسع: التَّفريق بين المتلاعنين وخرابُ بيتها وكسرها بالفراق.

العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التَّحريم بينهما.

فلمَّا كان شأن هذا اللِّعان هذا الشَّأن جُعِل يمينًا مقرونًا بالشَّهادة، وشهادةً مقرونةً باليمين، وجُعل الملتعن لقبول قوله كالشَّاهد. فإن نَكَلَت المرأة مضت شهادته وحُدَّت، وأفادت شهادته ويمينه شيئين: سقوط الحدِّ عنه، ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضتْ لعانَه بلعان آخر منها أفاد لعانُه سقوطَ الحدِّ عنه دون وجوبه عليها، فكان شهادةً ويمينًا بالنِّسبة إليه دونها؛ لأنَّه إن كان يمينًا محضةً فهي لا تُحَدُّ بمجرَّد٢ حلفه، وإن كان شهادةً فلا تُحَدُّ بمجرَّد شهادته عليها وحده. فإذا انضمَّ إلى ذلك نكولُها قوِيَ جانب اليمين والشَّهادة في حقِّه بتأكُّده ونكولها، فكان دليلًا ظاهرًا على صدقه،

  1. (١) كذا في النسخ. والوجه: «مقتضيًا».
  2. (٢) ص، د، ز: «لمجرد».
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي