زاد المعاد

فصل

ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ أمره بأن يأتي بها، فتَلاعَنا بحضرته، فكان في هذا بيان أنَّ اللِّعان إنَّما يكون بحضرة الإمام أو نائبه، وأنَّه ليس لآحاد الرَّعيَّة أن يلاعن بينهما، كما١ ليس له إقامة الحدِّ، بل هو للإمام أو نائبه.

فصل

ومنها: أنَّه يُسَنُّ التَّلاعن بمحضر جماعةٍ من النَّاس يشهدونه، فإنَّ ابن عبَّاسٍ وابن عمر وسهل بن سعدٍ حضروه مع حداثة أسنانهم، فدلَّ ذلك على أنَّه حضره جمعٌ كثيرٌ، فإنَّ الصِّبيان إنَّما يحضرون مثلَ هذا الأمر تبعًا للرِّجال. وقال سهل بن سعدٍ: فتلاعنا وأنا مع النَّاس عند النَّبيِّ ﷺ٢. وحكمة هذا ــ والله أعلم ــ أنَّ اللِّعان بُنِي على التَّغليظ مبالغةً في الرَّدع والزَّجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك.

فصل

ومنها: أنَّهما يتلاعنان قيامًا، وفي قصَّة هلال بن أمية أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «قُمْ فاشهدْ أربعَ شهاداتٍ٣»٤. وفي «الصَّحيحين»٥ في قصَّة المرأة: «ثمَّ

  1. (١) في المطبوع: «كما أنه». والمثبت من النسخ.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٩، ٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢) من حديث سهل.
  3. (٣) بعدها في المطبوع: «بالله»، وليست في النسخ.
  4. (٤) روى هذا اللفظ حنبل بن إسحاق في «جزئه»، كما في التاسع من «فوائد ابن السماك» (٦١). وعزاه في «الدر المنثور» (٦/ ١٣٦) للبخاري ومسلم، وهو فيهما دون الأمر بالقيام، كما سبق تخريجه.
  5. (٥) رواه البخاري (٤٧٤٧، ٥٣٠٧) بهذا اللفظ. وهو عند مسلم (١٤٩٢) دون ذِكر القيام.
523

قامتْ فشهِدتْ».

ولأنَّه إذا قام شاهدَه الحاضرون، فكان أبلغَ في شهرته، وأوقعَ في النُّفوس. وفيه سرٌّ آخر، وهو أنَّ الدَّعوة التي تُطلَب إصابتُها إذا صادفت المدعوَّ عليه قائمًا نفذتْ فيه، ولهذا لمَّا دعا خُبيبٌ على المشركين حين صلبوه أخذ أبو سفيان معاويةَ فأضجعه، وكانوا يرون أنَّ الرَّجل إذا لَطِئَ بالأرض١ زلَّت عنه الدَّعوة٢.

فصل

ومنها: البُداءة بالرَّجل في اللِّعان، كما بدأ الله ورسوله به٣، فلو بدأتْ هي لم يُعتَدَّ بلعانها عند الجمهور، واعتدَّ به أبو حنيفة. وقد بدأ الله سبحانه في الحدِّ بذكر المرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وفي اللِّعان بذكر الزَّوج، وهذا في غاية المناسبة؛ لأنَّ الزِّنا من المرأة أقبح منه من الرجل٤، لأنَّها تزيد على هَتْك حقِّ الله إفسادَ فراش بَعْلها، وتعليقَ نسبٍ من غيره عليه، وفضيحةَ أهلها وأقاربها، والجنايةَ على محض حقِّ الزَّوج، وخيانتَه فيه، وإسقاطَ حرمته عند النَّاس، وتعييرَه بإمساك البغيِّ، وغيرَ ذلك من مفاسد زناها، فكانت البُداءة بها في الحدِّ أهمَّ. وأمَّا اللِّعان فالزَّوج هو الذي قذفَها وعرَّضها للِّعان، وهتَكَ عِرضَها، ورماها بالعظيمة، وفضحَها

  1. (١) أي التصق بها.
  2. (٢) انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٣)، و«المغازي» للواقدي (١/ ٣٥٩).
  3. (٣) «به» ليست في د، ص، ب.
  4. (٤) في المطبوع: «بالرجل» خلاف النسخ.
524

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي