فيها بالباطل والكذب موجبةٌ عليه اللَّعنةَ أو الغضبَ، نَوى ما ذكرتم أو لم يَنوِه، فإنَّه لا يُموِّه على من يعلم السِّرَّ وأخفى بمثل هذا.
فصل
ومنها: أنَّ الحمل ينتفي بلعانه، ولا يحتاج أن يقول: وما هذا الحمل منِّي، ولا يحتاج أن يقول: وقد استبرأتُها. هذا قول أبي بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد، وقول بعض أصحاب مالك، وأهل الظَّاهر. وقال الشَّافعيُّ: يحتاج الرَّجل إلى ذكر الولد، ولا تحتاج المرأة إلى ذكره. وقال الخِرَقي وغيره: يحتاجان إلى ذكره. وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنًا، وليس هو منِّي١. وهو قول الشَّافعيِّ. وقول أبي بكر أصحُّ الأقوال، وعليه تدلُّ السُّنَّة الثَّابتة.
فإن قيل: فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ لاعنَ بين رجلٍ وامرأته، وانتفى من ولده٢، ففرَّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة٣. وفي حديث سهل بن سعدٍ: «وكانت حاملًا، فأنكر حملَها». وقد حكم ﷺ بأنَّ الولد للفِراش، وهذه كانت فراشًا له حال كونها حاملًا، فالولد له، فلا ينتفي عنه إلا بنفيه.
قيل: هذا موضع تفصيلٍ لا بدَّ منه، وهو أنَّ الحمل إن كان سابقًا على ما رماها به وعلم أنَّها زنتْ وهي حاملٌ منه، فالولد له قطعًا، ولا ينتفي عنه
(١) انظر لهذه الأقوال: «المغني» (١١/ ١٨٠، ١٨١).
(٢) في المطبوع: «ولدها». والمثبت من النسخ.
(٣) سبق تخريجه، وكذا الحديثان بعده.
بلعانه، ولا يحلُّ له أن ينفيه١ في اللِّعان، فإنَّها لمَّا عَلِقتْ به كانت فراشًا٢، وكان الحمل لاحقًا به، فزِناها لا يُزيل حكمَ لحوقه به. وإن لم يعلم حملها حالَ زناها الذي قذَفَها به فهذا يُنظر فيه؛ فإن جاءت به لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ من الزِّنا الذي رماها به فالولد ولده، ولا ينتفي عنه بلعانه، وإن ولدتْه لأكثر من ستَّة أشهرٍ من الزِّنا الذي رماها به نُظِر؛ فإمَّا أن يكون استبرأها قبل زِناها أو لم يستبرئها، فإن استبرأها انتفى الولد عنه بمجرَّد اللِّعان، سواءٌ نفاه أو لم يَنْفِه، ولا بدَّ من ذكره عند من يشترط ذكره، وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن يكون الولد منه وأن يكون من الزَّاني، فإن نفاه في اللِّعان انتفى، وإلَّا لَحِقَ به؛ لأنَّه أمكن كونُه منه ولم يَنْفِه.
فإن قيل: فالنَّبيُّ ﷺ قد حكم بعد اللِّعان، ونفى الولدَ بأنَّه إن جاء يُشبِه الزَّوجَ صاحبَ الفراش فهو له، وإن جاء يُشبِه الذي رُمِيَتْ به فهو له، فما قولكم في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثمَّ جاء الولد يُشبِهه، هل تُلحِقونه به بالشَّبه عملًا بالقافة، أو تحكمون بانقطاع نسبه منه عملًا بموجب لعانِه؟
قيل: هذا مجالٌ ضَنْكٌ وموضعٌ ضيِّقٌ تَجاذبَ أَعِنَّتَه اللِّعانُ المقتضي لانقطاع النَّسب وانتفاءِ الولد، وأنَّه يُدعى لأمِّه ولا يُدعى لأبٍ، والشَّبه الدَّالُّ على ثبوت نسبه من الزَّوج، وأنَّه ابنه مع شهادة النَّبيِّ ﷺ بأنَّها إن جاءت به على شبهه فالولد له، وأنَّه كذب عليها، فهذا مضيقٌ لا يتخلَّص منه إلا المستبصر البصير بأدلَّة الشَّرع وأسراره، والخبير بجمعه وفَرْقه، الذي