زاد المعاد

عنه حكمه، وإن لم يذكره فعلى قولين؛ الصَّحيح عندهم أنَّه لا يسقط.

والَّذين أسقطوا حكم قذف الأجنبيِّ باللِّعان حجَّتهم ظاهرةٌ وقويَّةٌ جدًّا، فإنَّه ﷺ لم يَحُدَّ الزَّوجَ بشَرِيك١ ابن سَحْماء، وقد سمَّاه صريحًا.

وأجاب الآخرون عن هذا بجوابين:

أحدهما: أنَّ المقذوف كان يهوديًّا، ولا يجب الحدُّ بقذف الكافر.

والثَّاني: أنَّه لم يطالب به، وحدُّ القذف إنَّما يُقام بعد المطالبة به٢.

وأجاب الآخرون عن هذين الجوابين وقالوا: قول من قال: إنَّه يهوديٌّ باطلٌ، فإنَّه شَريك بن عَبْدة، وأمُّه سَحْماء، وهو حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالكٍ لأمِّه. قال عبد العزيز بن بَزِيزة في «شرحه لأحكام عبد الحق»: قد اختلف أهل العلم في شَريك ابن سَحْماء المقذوف، فقيل: إنَّه كان يهوديًّا. وهو باطلٌ، والصَّحيح أنَّه شريك بن عَبْدة حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالكٍ لأمِّه٣.

وأمَّا الجواب الثَّاني فهو ينقلب حجَّةً عليكم؛ لأنَّه لمَّا استقرَّ عنده أنَّه لا حقَّ له في هذا القذف لم يطالِبْ به ولم يتعرَّض له، وإلَّا فكيف يسكت عن براءة عرضه، وله طريقٌ إلى إظهارها بحدِّ قاذفه، والقوم كانوا أشدَّ حميَّةً وأنفةً من ذلك؟

  1. (١) م: «لشريك».
  2. (٢) «به» ليست في المطبوع.
  3. (٣) انظر: «الإصابة» (٥/ ١١٩، ١٢٠).
531

وقد تقدَّم أنَّ اللِّعان أُقيم مقامَ البيِّنة للحاجة، وجُعِل بدلًا من الشُّهود الأربعة، ولهذا كان الصَّحيح أنَّه يوجب الحدَّ عليها إذا نَكَلَتْ، فإذا كان بمنزلة الشَّهادة في أحد الطَّرفين كان بمنزلتها في الطَّرف الآخر، ومن المحال أن تُحدَّ المرأة باللِّعان إذا نكلت، ثمَّ يُحدُّ القاذف حدَّ القذف، وقد أقام البيِّنة على صدق قوله. وكذلك إن جعلناه يمينًا، فإنَّها كما درأتْ عنه الحدَّ من طرف الزَّوجة درأتْ عنه من طرف المقذوف، ولا فرقَ؛ لأنَّ به حاجةً إلى قذف الزَّاني لما أفسد عليه من فراشه، وربَّما يحتاج إلى ذكره ليستدلَّ بشَبَه الولد له على صدق قاذفه، كما استدلَّ النَّبيُّ ﷺ على صدق هلال بشَبَه الولد لشريك ابنِ سحماء، فوجب أن يُسقِط حكمَ قذفه ما أَسقط حكمَ قذفِها، وقد قال النَّبيُّ ﷺ للزَّوج: «البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك»، ولم يقل: وإلَّا حدَّان.

هذا، والمرأة لم تطالب بحدِّ القذف، فإنَّ المطالبة شرطٌ في إقامة الحدِّ لا في وجوبه. وهذا جوابٌ آخر عن قولهم: إنَّ شريكا لم يطالب بالحدِّ، فإنَّ المرأة أيضًا لم تطالب به، وقد قال له النَّبيُّ ﷺ: «البيِّنة وإلَّا حدٌّ في ظهرك».

فإن قيل: فما تقولون لو قذف أجنبيَّةً بالزِّنا برجلٍ سمَّاه، فقال: زنى بك فلانٌ، أو زنيتَ به؟

قيل: هاهنا يجب عليه حدَّان؛ لأنَّه قاذفٌ لكلِّ واحدٍ منهما، ولم يأتِ بما يُسقِط موجبَ قذفه، فوجب عليه حكمه، إذ ليس هنا بيِّنةٌ بالنِّسبة إلى أحدهما، ولا ما يقوم مقامها.

فصل

ومنها: أنَّه إذا لاعنها وهي حاملٌ وانتفى من حملها انتفى عنه، ولم

532

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي