زاد المعاد

وقول سهل: فكان ابنها يُدعى إلى أمِّه، ثمَّ جرت السُّنَّة أنَّه يرِثُها وترِثُ منه ما فرض الله لها.

وقوله: مضت السُّنَّة في المتلاعنينِ أن يُفرَّق بينهما، ثمَّ لا يجتمعان أبدًا.

وقال الزُّهريُّ عن سهل بن سعدٍ: فرَّق رسول الله ﷺ بينهما وقال: «لا يجتمعان أبدًا». وقول الزَّوج: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مالَ لك؛ إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كذبتَ عليها فهو أبعد لك منها».

فتضمَّنت هذه الجملة عشرة أحكامٍ:

الحكم الأوَّل: التَّفريق بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب:

أحدها: أنَّ الفرقة تحصل بمجرَّد القذف. وهذا قول أبي عبيد، والجمهور خالفوه في ذلك، ثمَّ اختلفوا:

فقال جابر بن زيدٍ وعثمان البتِّيُّ ومحمد بن أبي صفرة وطائفةٌ من فقهاء البصرة: لا يقع باللِّعان فرقةٌ البتَّةَ، وقال ابن أبي صفرة: اللِّعان لا يقطع العصمة، واحتجُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنكِر عليه الطَّلاق بعد اللِّعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزَّه نفسَه أن يمسك من قد اعترف بأنَّها زنت، أو أن يقوم عليه دليل كذبٍ بإمساكها، فجعل النَّبيُّ ﷺ فعلَه سنَّةً.

ونازع هؤلاء جمهورُ العلماء وقالوا: اللِّعان يوجب الفُرقة، ثمَّ اختلفوا على ثلاثة١ مذاهب:

أحدها: أنَّها تقع بمجرَّد لعان الزَّوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة. وهذا

  1. (١) د، ص، ز: «ثلاث».
536

القول ممَّا تفرَّد به الشَّافعيُّ ﵀، واحتجَّ له بأنَّها فُرقةٌ حاصلةٌ بالقول، فحصلت بقول الزَّوج وحده كالطَّلاق.

المذهب الثَّاني: أنَّها لا تحصل إلا بلعانهما جميعًا، فإذا تمَّ لعانهما وقعت الفرقة، ولا يُعتبر تفريق الحاكم. وهذا مذهب أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، اختارها أبو بكر، وقول مالك وأهل الظَّاهر. واحتُجَّ لهذا القول بأنَّ الشَّرع إنَّما ورد بالتَّفريق بين المتلاعنينِ، ولا يكونان متلاعنينِ بلعان الزَّوج وحده، وإنَّما فرَّق النَّبيُّ ﷺ بينهما بعد تمام اللِّعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالفٌ لمدلول السُّنَّة وفعلِ النَّبيِّ ﷺ. واحتجُّوا بأنَّ لفظ اللِّعان لا يقتضي فرقةً، فإنَّه إمَّا أيمانٌ على زناها وإمَّا شهادةٌ به، وكلاهما لا يقتضي فرقةً، وإنَّما ورد الشَّرع بالتَّفريق بينهما بعد تمامِ لعانهما لمصلحةٍ ظاهرةٍ، وهي أنَّ الله سبحانه جعل بين الزَّوجين مودَّةً ورحمةً، وجعل كلًّا منهما سَكَنًا للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام الخِزْي والعار والفضيحة، فإنَّه إن كان كاذبًا فقد فضَحَها وبهتَها ورماها بالدَّاء العضال، ونكَّس رأسَها ورؤوس قومها، وهتكَها على رؤوس الأشهاد. وإن كانت كاذبةً فقد أفسدتْ فراشَه، وعرَّضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوجَ بَغِيٍّ وتعليقِ ولدِ غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودَّة والرَّحمة والسَّكَن ما هو مطلوبٌ بالنِّكاح، فكان من محاسن شريعة الإسلام التَّفريقُ بينهما والتَّحريمُ المؤبَّد على ما سنذكره. ولا يترتَّب هذا على بعض اللِّعان، كما لا يترتَّب على بعضِ لعانِ الزَّوج. قالوا: ولأنَّه فسخٌ ثبت بأيمان متحالفينِ، فلم يثبت بأيمان أحدهما، كالفسخ لتحالُفِ١ المتبايعين عند الاختلاف.

  1. (١) في المطبوع: «لتخالف».
537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي