زاد المعاد

المتلاعنين أن لا يجتمعان أبدًا. قال: وروي عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبدًا١. وإلى هذا ذهب أحمد والشَّافعيُّ ومالك والثَّوريُّ وأبو عبيد وأبو يوسف.

وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه إن٢ أكذبَ نفسَه حلَّت له وعاد فراشه بحاله، وهي روايةٌ شاذَّةٌ شذَّ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره. وقال صاحب «المغني»٣: وينبغي أن تُحمل هذه على ما إذا لم يُفرِّق الحاكمُ بينهما، فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجهَ لبقاء النِّكاح بحاله.

قلت: الرِّواية مطلقةٌ، ولا أثرَ لتفريق الحاكم في دوام التَّحريم، فإنَّ الفُرقة الواقعة بنفس اللِّعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذابُ٤ نفسِه مؤثِّرًا في تلك الفرقة القويَّة رافعًا للتَّحريم النَّاشئ منها، فلَأن٥ يُؤثِّر في الفرقة التي هي دونها ويرفع تحريمَها أولى.

وإنَّما قلنا: إنَّ الفرقة بنفس اللِّعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم؛ لأنَّ

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٣٣) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٤١٠) من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي عنه. وسنده ضعيف للانقطاع، فإبراهيم لم يدرك عمر. لكن يشهد له ما قبله.
  2. (٢) د: «إذا». وسقطت من ز.
  3. (٣) (١١/ ١٤٩).
  4. (٤) م: «أكذب».
  5. (٥) م، د، ز: «فلا»، خطأ.
541

فرقة اللِّعان تستند إلى حكم الله ورسوله، سواءٌ رضي الحاكم والمتلاعنانِ التَّفريقَ أو أَبَوه، فهي فُرقةٌ من الشَّارع بغير رضا أحدٍ منهم ولا اختياره، بخلاف فرقة الحاكم، فإنَّه إنَّما يفرِّق باختياره.

وأيضًا فإنَّ اللِّعان يكون قد اقتضى بنفسه التَّفريقَ؛ لقوَّته وسلطانه عليه، بخلاف ما إذا توقَّف على تفريق الحاكم، فإنَّه لم يَقْوَ بنفسه على اقتضاء الفرقة، ولا كان له سلطانٌ عليها.

وهذه الرِّواية هي مذهب سعيد بن المسيِّب، قال: إن أكذبَ نفسه فهو خاطبٌ من الخُطَّاب١، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطَّردَ؛ لأنَّ فُرقة اللِّعان عنده طلاقٌ. وقال سعيد بن جبيرٍ٢: إن أكذبَ نفسَه رُدَّت إليه ما دامت في العدَّة.

والصَّحيح القول الأوَّل، الذي دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة وأقوال الصَّحابة، وهو الذي يقتضيه حكمة اللِّعان، ولا يقتضي سواه، فإنَّ لعنة الله ﷿ وغضبه قد حلَّ بأحدهما لا مَحالةَ، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ عند الخامسة: «إنَّها المُوجِبة»٣ أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا نعلم

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٤٠، ١٢٤٤٣) من طريق معمر عن داود بن أبي هند عن ابن المسيب قال: «إذا تاب الملاعن واعترف بعد الملاعنة، فإنه يُجلد، ويلحق به الولد، وتطلق امرأته تطليقة بائنة، ويخطبها مع الخطاب، ويكون ذلك متى أكذب نفسه». وصحح الحافظ إسنادَه في «الفتح» (٩/ ٤٥٩).
  2. (٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٥٨٥) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٣/ ٣٠٣) من طريقين عن خصيف عنه. وسنده صحيح.
  3. (٣) هذا اللفظ أخرجه الطبري في «التفسير» (١٩/ ١١٢) من طريق عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة عن ابن عباس. وعباد يكتب حديثه، وليس بالقوي، وقد صرَّح هنا بالسماع فانتفت شبهة تدليسه، وقد توبع؛ إلا في ألفاظ يسيرة خولف فيها. كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
542

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي