المرأة ثلاثةَ مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنَتْ عليه». ورواه الإمام أحمد وذهب إليه١.
وروى أبو داود في «سننه»٢: من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه جعلَ ميراثَ ابنِ الملاعنة لأمِّه ولورثتِها مِن بعدِها.
وفي «السُّنن» أيضًا مرسلًا٣ من حديث مكحول قال: جعل رسول الله ﷺ ميراثَ ابنِ الملاعنة لأمِّه ولورثَتِها مِن بعدِها٤.
وهذه الآثار موافقةٌ لمحض القياس، فإنَّ النَّسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته صار للأمِّ، كما أنَّ الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقًا كان لمعتق الأمِّ. فلو أعتق الأب بعد هذا انجرَّ الولاء من موالي الأمِّ إليه ورجع إلى أصله. وهو نظير ما إذا أكذَبَ الملاعن نفسَه واستلحق الولد، رجع النَّسب والتَّعصيب من الأمِّ وعصبتها إليه. فهذا محض القياس وموجَبُ الأحاديث والآثار، وهو مذهب حبر الأمَّة وعالمها عبد الله بن
(٢) (٢٩٠٨) وسنده حسن، وقد صرَّح فيه الوليد بن مسلم بالسماع؛ فانتفت شبهة تدليسه، وتوبع؛ فرواه أحمد (٧٠٢٨) والدارمي (٣١٥٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٢٥٩) من طرق عن عمرو بن شعيب به، وسنده صحيح.
(٣) (٢٩٠٧) ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ٢٥٩) من طريق الوليد عن ابن جابر عن مكحول عن النبي ﷺ، وهو ضعيف لإرساله، وروي من وجه آخر مقطوعًا عند ابن أبي شيبة (٣١٩٦٧) والدارمي (٣٠١٠) من طريقين عن مكحول قولَه، وسنده إليه صحيح.
(٤) هذا الحديث ليس في د، ب.
مسعودٍ، ومذهب إمامَي أهلِ الأرض في زمانهما أحمد بن حنبلٍ وإسحاق بن راهويه. وعليه يدلُّ القرآن بألطف إيماءٍ وأحسنِه، فإنَّ الله سبحانه جعل عيسى من ذرِّيَّة إبراهيم بواسطة مريم أمِّه، وهي من صميم ذرِّيَّة إبراهيم. وسيأتي مزيدُ تقريرٍ لهذا عند ذكر أقضية النَّبيِّ ﷺ وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في «صحيحه»١ في قصَّة اللِّعان، وفي آخره: ثمَّ جَرتِ السُّنَّة أن يَرِثَ منها وتَرِثَ منه ما فرض الله لها؟
قيل: نتلقَّاه بالقبول والتَّسليم والقول بموجَبه، وإن أمكن أن يكون مُدرجًا من كلام ابن شهابٍ، وهو الظَّاهر؛ فإنَّ تعصيب الأمِّ لا يُسقِط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتَّعصيب، فهي تأخذ فرضها ولا بدَّ، فإن فضَلَ شيءٌ أخذتْه بالتَّعصيب، وإلَّا فازتْ٢ بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلِّها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه.
فصل
الحكم الثَّامن: أنَّها لا تُرمى ولا يُرمى ولدها، ومن رماها أو ولدَها فعليه الحدُّ. وهذا لأنَّ لعانها نفى عنها تحقيقَ ما رُميت به، فيُحَدُّ قاذفُها وقاذفُ ولدها، هذا الذي دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، وهو قول جمهور