زاد المعاد

متوفَّى عنها»، فأفاد ذلك أمرين: أحدهما: سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملًا من الزَّوج. والثَّاني: وجوبهما لها وللمتوفَّى عنها إذا كانتا حاملينِ من الزَّوج.

فصل

وقوله ﷺ: «أبصِرُوها، فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»١ إرشادٌ منه ﷺ إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأنَّ للشَّبه مدخلًا في معرفة النَّسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشَّبه، وإنَّما لم يُلْحَق بالملاعن لو قدِّر أنَّ الشَّبه له لمعارضة اللِّعان الذي هو أقوى من الشَّبه له، كما تقدَّم.

فصل

وقوله في الحديث: «لو أنَّ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه به»٢ دليلٌ على أنَّ من قتل رجلًا في داره وادَّعى أنَّه وجده مع امرأته أو حريمِه قُتِل به، ولا يُقبَل قوله، إذ لو قُبِل قوله لأُهدِرت الدِّماء، وكان كلُّ من أراد قتلَ رجلٍ أدخلَه دارَه وادَّعى أنَّه وجده مع امرأته.

ولكن هاهنا مسألتان يجب التَّفريق بينهما، إحداهما: هل يسعه فيما بينه وبين الله أن يقتله أم لا؟ والثانية: هل يُقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا؟ وبهذا التَّفريق يزول الإشكال فيما نُقل عن الصَّحابة ﵃ في ذلك، حتَّى جعلها بعض العلماء مسألةَ نزاعٍ بين الصَّحابة، وقال: مذهب عمر أنَّه لا يُقتَل به،

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) سبق تخريجه.
555

ومذهب علي: أنَّه يُقتَل به. والَّذي غَرَّه ما رواه سعيد بن منصورٍ في «سننه»١: أنَّ عمر بن الخطَّاب بينا هو يومًا يتغدَّى إذ جاء رجلٌ يعدو، وفي يده سيفٌ ملطَّخٌ بدمٍ، ووراءه قومٌ يَعْدُون، فجاء حتَّى جلس مع عمر، فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنِّي ضربتُ فخذَيِ امرأتي، فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلتُه، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّه ضربَ بالسَّيف فوقع في وسط الرَّجل وفخذَي المرأة، فأخذ عمر سيفَه فهَزَّه، ثمَّ دفعه إليه وقال: إن عادوا فعُدْ. فهذا ما نُقِل عن عمر ﵁ .

وأمَّا علي فسئل عمَّن وجد مع امرأته رجلًا فقتله، فقال: إن لم يأتِ بأربعة شهداء فلْيُعْطَ بِرُمَّته٢. فظنَّ أنَّ هذا خلافٌ٣ للمنقول عن عمر، فجعلها مسألة خلافٍ بين الصَّحابة، وأنتَ إذا تأمَّلتَ حكمَيْهما لم تجد بينهما اختلافًا، فإنَّ عمر ﵁ إنَّما أسقط عنه القَوَد لمَّا اعترف الوليُّ بأنَّه كان مع امرأته، وقد قال أصحابنا ــ واللَّفظ لصاحب «المغني»٤ ــ: فإن اعترف الوليُّ بذلك فلا قصاصَ ولا ديةَ؛ لما رُوِي عن عمر، ثمَّ ساق القصَّة. وكلامه يعطي أنَّه لا فرقَ بين أن يكون مُحصَنًا أو غير محصَنٍ، وكذلك حكم

  1. (١) كما في «المغني» (١١/ ٤٦٢، ١٢/ ٥٣٥) من طريق هشيم عن مغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن عمر؛ وسنده ضعيف؛ للانقطاع؛ إبراهيم لم يدرك عمر.
  2. (٢) أخرجه مالك (٢١٥٤) ــ وعنه الشافعي في «الأم» (٧/ ٧٥، ٣٤٦) ــ وعبد الرزاق (١٧٩١٥) وابن أبي شيبة (٢٨٤٥٨) من طريق سعيد بن المسيب عنه، ورجاله ثقات، غير أنَّ في سماع سعيد من عليٍّ خلافًا.
  3. (٣) د، ص، ز، ب: «خلافًا».
  4. (٤) (١١/ ٤٦٢).
556

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي