زاد المعاد

قال منازعوهم: وليس لهذا التَّفصيل أصلٌ في كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا أثرٍ عن صاحبٍ، ولا تقتضيه قواعد الشَّرع وأصوله.

قالت الحنفيَّة: نحن لا ننكر كونَ الأمة فراشًا في الجملة، ولكنَّه فراشٌ ضعيفٌ هي فيه دون الحرَّة، فاعتبرنا ما تَعتِق به، بأن تَلِدَ منه ولدًا فيستلحقه، فما ولدتْ بعد ذلك لحِقَ به إلا أن ينفيه، وأمَّا الولد الأوَّل فلا يَلحقُه إلا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يَلْحَقه ما بعده إلا باستلحاقٍ مستأنفٍ، بخلاف الزَّوجة. والفرق بينهما: أنَّ عقد النِّكاح إنَّما يُراد للوطء والاستفراش، بخلاف مِلْك اليمين، فإنَّ الوطء والاستفراش فيه تابعٌ، ولهذا يجوز ورودُه على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النِّكاح.

قالوا: والحديث لا حجَّةَ لكم فيه؛ لأنَّ وطء زمعة لم يثبت، وإنَّما ألحقه النَّبيُّ ﷺ بعَبْدٍ أخًا لأنَّه استلحقه، فألحقَه باستلحاقه لا بفراش الأب.

قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءةً فهي فراشٌ حقيقةً وحكمًا، واعتبارُ ولادتها السَّابقة في صيرورتها فراشًا اعتبارُ ما لا دليلَ على اعتباره شرعًا، والنَّبيُّ ﷺ لم يعتبره في فراش زَمْعة، فاعتباره تحكُّمٌ.

وقولكم: إنَّ الأمة لا تُراد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتُّخِذتْ سُرِّيَّةً وفراشًا وجُعِلت كالزَّوجة أو أحظى١ منها، لا في أَمتِه التي هي أختُه من الرَّضاع ونحوها.

وقولكم: إنَّ وطء زمعة لم يثبت حتَّى يَلْحَق به الولد، ليس علينا جوابه، بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزَمْعة وقال لابنه: هو أخوك.

  1. (١) د، ص: «أحضى»، خطأ.
566

وقولكم: إنَّما ألحقه بالأخ لأنَّه استلحقه، باطلٌ، فإنَّ المستلْحَق إن١ لم يُقِرَّ به جميعُ الورثة لم يَلْحَق بالمُقِرِّ، إلا أن يشهد منهم اثنان أنَّه وُلد على فراش الميِّت، وعَبْدٌ لم يكن٢ جميعَ الورثة، فإنَّ سودةَ زوجةَ النَّبيِّ ﷺ أختُه، وهي لم تُقِرَّ به ولم تَستلحِقْه، وحتَّى لو أقرَّت به مع أخيها عبْدٍ لكان ثبوت النَّسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإنَّ النبيَّ ﷺ صرَّح عقيبَ حكمِه بإلحاق النَّسب بأنَّ الولد للفراش، معلِّلًا بذلك، منبِّهًا على قضيَّةٍ كلِّيَّةٍ عامَّةٍ تتناول هذه الواقعةَ وغيرها.

ثمَّ جواب هذا الاعتراض الباطل المحرَّم أنَّ ثبوت كون الأمة فراشًا بالإقرار من الواطئ أو وارثِه كافٍ في لُحوق النَّسب، فإنَّ النبيَّ ﷺ ألحقه٣ به بقوله: ابن وليدةِ أبي، وُلِد على فراشه، كيف وزَمعةُ كان صِهْر النَّبيِّ ﷺ وابنتُه تحتَه، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النَّسب؟

وأمَّا ما نقضتم به علينا أنَّه إذا استلحق ولدًا من أمته لم يلحقْه ما بعده إلا بإقرارٍ مستأنفٍ، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما، والثَّاني: أنَّه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارًا. ومن رجَّح القول الأوَّل قال: قد يستبرئها السَّيِّدُ بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يَلحقُه ما بعد الأوَّل إلا باعترافٍ مستأنفٍ أنَّه وطئها كالحال في أوَّل ولدٍ. ومن رجَّح الثَّاني قال: قد ثبت كونها فراشًا أوَّلًا، والأصل بقاء الفراش حتَّى يثبتَ ما يُزيله، إذ ليس هذا نظيرَ قولكم: إنَّه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتَّى يستلحقه.

  1. (١) «إن» ليست في د، ص.
  2. (٢) بعدها في المطبوع: «يقر له»، ليست في النسخ.
  3. (٣) ص، د، ب: «ألحق».
567

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي