جماعةً، هذا أصلُ مذهب أحمد والشَّافعيِّ، لأنَّ الورثة قاموا مقام الميِّت وحلُّوا محلَّه.
وأورد بعض النَّاس على هذا الأصل أنَّه لو كان إجماعُ الورثة على إلحاق النَّسب يُثبِت النَّسب للزمَ إذا أجمعوا على نفي حَمْلٍ من أمةٍ وطئها الميِّت أن يحلُّوا محلَّه في نفي النَّسب، كما حلُّوا محلَّه في إلحاقه. وهذا لا يَلزم؛ لأنَّا اعتبرنا جميعَ الورثة، والحمل من الورثة، فلم يُجمِع الورثة على نفيه.
فإن قيل: فأنتم اعتبرتم في ثبوت النَّسب إقرارَ جميع الورثة، والمقرُّ هاهنا إنَّما هو عبد، وسودةُ لم تُقِرَّ به وهي أخته، والنَّبيُّ ﷺ ألحقه بعبدٍ باستلحاقه، ففيه دليلٌ على استلحاق الأخ وثبوت النَّسب بإقراره، ودليلٌ على أنَّ استلحاق أحد الإخوة كافٍ.
قيل: سودةُ لم تكن مُنكِرةً، فإنَّ عَبْدًا استلحقه وأقرَّتْه سودةُ على استلحاقه، وإقرارُها وسكوتُها على هذا الأمر ــ المتعدِّي حكمُه إليها من خلوته بها، ورؤيتِه إيَّاها، وصيرورتِه أخًا لها ــ تصديقٌ لأخيها عبْدٍ وإقرارٌ بما أقرَّ به، وإلَّا لبادرتْ إلى الإنكار والتَّكذيب، فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها. هذا إن كان لم يصدر منها تصديقٌ صريحٌ فالواقعة واقعة عينٍ، ومتى استلحق الأخُ أو الجدُّ أو غيرهما نسبَ من لو أقرَّ به موروثُهم١ لَحِقَه= ثبت نسبُه ما لم يكن هناك وارثٌ منازعٌ، فالاستلحاق مقتضٍ لثبوت النَّسب، ومنازعةُ غيرِه من الورثة مانعٌ من الثُّبوت، فإذا وُجِد المقتضي ولم يمنع مانعٌ من اقتضائه ترتَّبَ عليه حكمُه.
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «مورثهم».
ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنَّ إقرار من حاز الميراثَ واستلحاقَه هل هو إقرار خلافةٍ عن الميِّت أو إقرار شهادةٍ؟ هذا فيه خلافٌ، فمذهب أحمد والشَّافعيِّ أنَّه إقرار خلافةٍ، فلا يُشتَرط عدالة المستلحق، بل ولا إسلامه، بل يصحُّ ذلك من الفاسق والدَّيِّن. وقالت المالكيَّة: هو إقرار شهادةٍ، فتُعتبر فيه أهليَّة الشَّهادة، وحكى ابن القصَّار عن مذهب مالك: أنَّ الورثة إذا أقرُّوا بالنَّسب لحِقَ وإن لم يكونوا عدولًا، والمعروف من مذهب مالك خلافه.
فصل
الثَّالث: البيِّنة، بأن يشهد شاهدان أنَّه ابنه، أو أنَّه ولد على فراشه من زوجته أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يُلتفت إلى إنكار بقيَّتهم وثبت نسبه، ولا يُعرف في ذلك نزاعٌ.
فصل
الرَّابع: القافة.
ذكر حكمِ رسول الله ﷺ وقضائه باعتبار القافة وإلحاقِ النَّسب بها١
ثبت في «الصَّحيحين»٢ من حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يومٍ مسرورًا تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّزًا المُدْلِجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيدٍ، وعليهما قطيفةٌ قد غَطَّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ».
(١) انظر كلام المؤلف في هذا الموضوع في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٧٣ - ٦٢٠).