ولكن هاهنا أمرٌ آخر، وهو أنَّ إقرار من حاز الميراثَ واستلحاقَه هل هو إقرار خلافةٍ عن الميِّت أو إقرار شهادةٍ؟ هذا فيه خلافٌ، فمذهب أحمد والشَّافعيِّ أنَّه إقرار خلافةٍ، فلا يُشتَرط عدالة المستلحق، بل ولا إسلامه، بل يصحُّ ذلك من الفاسق والدَّيِّن. وقالت المالكيَّة: هو إقرار شهادةٍ، فتُعتبر فيه أهليَّة الشَّهادة، وحكى ابن القصَّار عن مذهب مالك: أنَّ الورثة إذا أقرُّوا بالنَّسب لحِقَ وإن لم يكونوا عدولًا، والمعروف من مذهب مالك خلافه.
فصل
الثَّالث: البيِّنة، بأن يشهد شاهدان أنَّه ابنه، أو أنَّه ولد على فراشه من زوجته أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يُلتفت إلى إنكار بقيَّتهم وثبت نسبه، ولا يُعرف في ذلك نزاعٌ.
فصل
الرَّابع: القافة.
ذكر حكمِ رسول الله ﷺ وقضائه باعتبار القافة وإلحاقِ النَّسب بها١
ثبت في «الصَّحيحين»٢ من حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يومٍ مسرورًا تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّزًا المُدْلِجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيدٍ، وعليهما قطيفةٌ قد غَطَّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ».
(١) انظر كلام المؤلف في هذا الموضوع في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٧٣ - ٦٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٧٠، ٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩).
فَسُرَّ النَّبيُّ ﷺ بقول القائف، ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهليَّة كالكهانة ونحوها لما سُرَّ بها، ولا أُعجِبَ بها، ولكانت بمنزلة الكهانة، وقد صحَّ عنه وعيدُ من صدَّق كاهنًا.
قال الشَّافعيُّ١: والنَّبيُّ ﷺ أثبته علمًا ولم يُنكِره، ولو كان خطأً لأنكره؛ لأنَّ في ذلك قَذْف المحصنات ونَفْي الأنساب، انتهى.
كيف والنَّبيُّ ﷺ قد صرَّح في الحديث الصَّحيح بصحَّتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»، فلمَّا جاءت به على شَبَهِ الذي رُمِيتْ به قال: «لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ»٢. وهل هذا إلا اعتبارٌ٣ للشَّبه وهو عين القيافة، فإنَّ القائف يتبع أثرَ الشَّبه وينظر إلى من يتَّصل، فيحكم به لصاحب الشَّبه.
وقد اعتبر النَّبيُّ ﷺ الشَّبه وبيَّن سببَه، ولهذا لمَّا قالت له أم سلمة: أَوَتَحتلمُ المرأة؟ فقال: «ممَّ يكون الشَّبه؟»٤. وأخبر في الحديث الصَّحيح٥ أنَّ ماء الرَّجل إذا سبقَ ماءَ المرأة كان الشَّبه له، وإذا سبقَ ماؤها ماءَه كان الشَّبه لها.
(١) انظر: «مختصر المزني» (ص ٣١٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) د، ص، ز: «الاعتبار».
(٤) أخرجه البخاري (١٣٠، ٣٣٢٨، ٦٠٩١)، ومسلم (٣١٣).
(٥) أخرجه بنحوه البخاري (٣٣٢٩، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠) من حديث أنس، ومسلم (٣١١) من حديث أم سلمة.