زاد المعاد

فَسُرَّ النَّبيُّ ﷺ بقول القائف، ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهليَّة كالكهانة ونحوها لما سُرَّ بها، ولا أُعجِبَ بها، ولكانت بمنزلة الكهانة، وقد صحَّ عنه وعيدُ من صدَّق كاهنًا.

قال الشَّافعيُّ١: والنَّبيُّ ﷺ أثبته علمًا ولم يُنكِره، ولو كان خطأً لأنكره؛ لأنَّ في ذلك قَذْف المحصنات ونَفْي الأنساب، انتهى.

كيف والنَّبيُّ ﷺ قد صرَّح في الحديث الصَّحيح بصحَّتها واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشَرِيك ابن سَحْماء»، فلمَّا جاءت به على شَبَهِ الذي رُمِيتْ به قال: «لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ»٢. وهل هذا إلا اعتبارٌ٣ للشَّبه وهو عين القيافة، فإنَّ القائف يتبع أثرَ الشَّبه وينظر إلى من يتَّصل، فيحكم به لصاحب الشَّبه.

وقد اعتبر النَّبيُّ ﷺ الشَّبه وبيَّن سببَه، ولهذا لمَّا قالت له أم سلمة: أَوَتَحتلمُ المرأة؟ فقال: «ممَّ يكون الشَّبه؟»٤. وأخبر في الحديث الصَّحيح٥ أنَّ ماء الرَّجل إذا سبقَ ماءَ المرأة كان الشَّبه له، وإذا سبقَ ماؤها ماءَه كان الشَّبه لها.

  1. (١) انظر: «مختصر المزني» (ص ٣١٧).
  2. (٢) سبق تخريجه.
  3. (٣) د، ص، ز: «الاعتبار».
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٣٠، ٣٣٢٨، ٦٠٩١)، ومسلم (٣١٣).
  5. (٥) أخرجه بنحوه البخاري (٣٣٢٩، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠) من حديث أنس، ومسلم (٣١١) من حديث أم سلمة.
574

فهذا اعتبارٌ منه للشَّبه شرعًا وقدرًا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام، أن يتوارد عليه الخَلْق والأمر والشَّرع والقدَر، ولهذا تبعه خلفاؤه الرَّاشدون في الحكم بالقافة.

قال سعيد بن منصورٍ: حدَّثنا سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، عن عمر في امرأةٍ وطئها رجلان في طهرٍ، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما١.

قال الشَّعبيُّ: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يَرِثانِه. ذكره سعيد أيضًا٢.

  1. (١) أخرجه عنه معلَّقًا ابنُ حزم في «المحلى» (٩/ ٣٤٣) وابن قدامة في «المغني» (٨/ ٣٧٧)، وسنده ضعيف لانقطاعه؛ سليمان لم يدرك عمر. ويشهد له أثر ابن عمر عن أبيه عند ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ١٣٩) والطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ١٦٢) وقد صححه المصنِّف، وأعلَّه ابن حزم بما لا يُسلَّم له. ويشهد له أيضًا أثر أبي المهلب عنه عند الطحاوي (٤/ ١٦٣) وسنده صحيح، وكلها تشير إلى أنه قد جعل الولد بينهما.
  2. (٢) عزاه إليه في «المغني» (٨/ ٣٧٧) من غير إسناد، ولم أقف على إسناده إلى الشعبي، لكن أخرجه الطحاويُّ في «معاني الآثار» (٤/ ١٦٣) من طريق آخر عن عليٍّ، وفي سنده راوٍ لم يُسمَّ. وأخرجه عبد الرزاق (١٣٤٧٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢١٤)، وفي سنده قابوس؛ مختلف فيه، وليَّنه ابن حجر. قال البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٢٦٨): «وفي ثبوته عن علي نظر». وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٢١١٧) من طريق حنش عنه، بلفظ: «يرثكما وليس لأمه، وهو للباقي منكما بمنزلة أمه». وحنش بن المعتمر مختلف فيه. فالأثر حسن بمجموع طرقه.
575

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي