زاد المعاد

فهذا اعتبارٌ منه للشَّبه شرعًا وقدرًا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام، أن يتوارد عليه الخَلْق والأمر والشَّرع والقدَر، ولهذا تبعه خلفاؤه الرَّاشدون في الحكم بالقافة.

قال سعيد بن منصورٍ: حدَّثنا سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، عن عمر في امرأةٍ وطئها رجلان في طهرٍ، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله بينهما١.

قال الشَّعبيُّ: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يَرِثانِه. ذكره سعيد أيضًا٢.

  1. (١) أخرجه عنه معلَّقًا ابنُ حزم في «المحلى» (٩/ ٣٤٣) وابن قدامة في «المغني» (٨/ ٣٧٧)، وسنده ضعيف لانقطاعه؛ سليمان لم يدرك عمر. ويشهد له أثر ابن عمر عن أبيه عند ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ١٣٩) والطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ١٦٢) وقد صححه المصنِّف، وأعلَّه ابن حزم بما لا يُسلَّم له. ويشهد له أيضًا أثر أبي المهلب عنه عند الطحاوي (٤/ ١٦٣) وسنده صحيح، وكلها تشير إلى أنه قد جعل الولد بينهما.
  2. (٢) عزاه إليه في «المغني» (٨/ ٣٧٧) من غير إسناد، ولم أقف على إسناده إلى الشعبي، لكن أخرجه الطحاويُّ في «معاني الآثار» (٤/ ١٦٣) من طريق آخر عن عليٍّ، وفي سنده راوٍ لم يُسمَّ. وأخرجه عبد الرزاق (١٣٤٧٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢١٤)، وفي سنده قابوس؛ مختلف فيه، وليَّنه ابن حجر. قال البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٢٦٨): «وفي ثبوته عن علي نظر». وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٢١١٧) من طريق حنش عنه، بلفظ: «يرثكما وليس لأمه، وهو للباقي منكما بمنزلة أمه». وحنش بن المعتمر مختلف فيه. فالأثر حسن بمجموع طرقه.
575

وروى الأثرم١ بإسناده عن سعيد بن المسيِّب في رجلين اشتركا في طُهرِ امرأةٍ فحملتْ، فولدتْ غلامًا يُشبِههما، فرُفِع ذلك إلى عمر بن الخطَّاب، فدعا القافةَ فنظروا فقالوا: نراه يُشبِههما، فألحقه بهما وجعله يَرِثُهما وَيَرِثانِه.

ولا يُعرف قطُّ في الصَّحابة من خالف عمر وعليًّا في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار، فلم يُنكره منهم منكرٌ.

قالت الحنفيَّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِل، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرَّد الشَّبه والظَّنِّ والتَّخمين، ومعلومٌ أنَّ الشَّبه يوجد من الأجانب وينتفي من الأقارب، وذكرتم قصَّة أسامة وزيد ونسيتم قصَّة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود يخالف لونَهما، فلم يُمكِّنه النَّبيُّ ﷺ من نفيه، ولا جعل للشَّبه ولا لعدمه أثرًا. ولو كان للشَّبه أثرٌ لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللِّعان، ولكان ينتظر ولادته ثمَّ يُلحق بصاحب الشَّبه، ويستغني بذلك عن اللِّعان، بل كان لا يصحُّ نفيُه مع وجود الشَّبه بالزَّوج، وقد دلَّت السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة على نفيه عن الملاعن ولو كان الشَّبه له، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَبصِرُوها، فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية»٢، وهذا قاله بعد اللِّعان ونفي النَّسب عنه، فعُلِم أنَّه لو جاء على الشَّبه المذكور لم يثبت نسبه منه، وإنَّما كان مجيئه على شَبَهِه دليلًا على كذبه، لا على لحوق الولد به.

  1. (١) كما في «المغني» (٨/ ٣٧٨)، وكذا رواه عبد الرزاق (١٣٤٧٦) والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٢٦٤)، وقد سبق احتجاج أحمد بمراسيل سعيد عن عمر؛ ويشهد له ما قبله.
  2. (٢) سبق تخريجه.
576

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي