زاد المعاد

هذا الدَّليل الظَّاهر لغيرِ شيءٍ.

وأمَّا تقديم اللِّعان على الشَّبه وإلغاء الشَّبه مع وجوده، فكذلك أيضًا هو من تقديم أقوى الدَّليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشَّبه مع عدم ما يعارضه، كالبيِّنة تُقدَّم على اليد والبراءة الأصليَّة، ويُعمل بهما عند عدمها١.

وأمَّا ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نُثبِت نسبه بالقيافة، والقيافة دليلٌ آخر موافقٌ لدليل الفراش، فسرور النَّبيِّ ﷺ وفرحُه بها واستبشاره لتعاضُدِ أدلَّة النَّسب وتظافُرها٢، لا لإثبات النَّسب بقول القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلامِ الحقِّ وأدلَّتِه وتكاثرِها، ولو لم تصلح القيافة دليلًا لم يَفْرَحْ بها ولم يُسَرَّ. وقد كان النَّبيُّ ﷺ يَفرح ويُسَرُّ إذا تعاضدت عنده أدلَّة الحقِّ، ويخبر بها الصَّحابة، ويحبُّ أن يسمعوها من المخبر بها؛ لأنَّ النُّفوس تزداد تصديقًا بالحقِّ إذا تعاضدت أدلَّته وتُسَرُّ به وتفرح، وعلى هذا فطر الله عباده، فهذا حكمٌ اتَّفقت عليه الفطرة والشِّرعة. وباللَّه التَّوفيق.

وأمَّا ما رُوي عن عمر أنَّه قال: «وَالِ٣ أيَّهما شئتَ»، فلا تُعرف صحَّته عن عمر، ولو صحَّ عنه لكان قولًا عنه، فإنَّ ما ذكرناه عنه في غاية الصِّحَّة، مع أنَّ قوله: «وَالِ أيَّهما شئتَ» ليس بصريحٍ في إبطال قول القائف، ولو كان

  1. (١) أي: يُعمل باليد والبراءة الأصلية عند عدم البينة. وفي النسخ والمطبوع: «ويعمل بهما عند عدمهما»، خطأ.
  2. (٢) في المطبوع: «وتضافرها». وورد في المعاجم بالوجهين بمعنى التعاون.
  3. (٣) في النسخ: «والي». وهي صيغة أمر للمذكر، فتُحذف حرف العلة من آخرها.
579

صريحًا في إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشَّافعيُّ ومن وافقه.

وأمَّا إذا أقرَّ أحد الورثة بأخٍ وأنكره الباقون، فإنَّما لم يثبت نسبُه لمجرَّد الإقرار، فأمَّا إذا كان هناك شبهٌ يستند إليه القائف فإنَّه لا يُعتبر إنكارُ الباقين. ونحن لا نَقصُر القافةَ على بني مُدلِجٍ، ولا نعتبر تعدُّد القائف، بل يكفي واحدٌ على الصَّحيح بناءً على أنَّه خبرٌ، وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه شهادةٌ فلا بدَّ من اثنين، ولفظ الشَّهادة بناء على اشتراط اللَّفظ.

فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنَّه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين، هل تُلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحدٍ؟ وإذا ألحقتموه بأبوينِ فهل يختصُّ ذلك باثنين أم يُلحَق بهم وإن كثروا؟ وهل حُكم الاثنين١ في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟

قيل: هذه مسائل فيها نزاعٌ بين أهل العلم، فقال الشَّافعيُّ ومن وافقه: لا يُلحَق بأبوين، ولا يكون للرَّجل إلا أبٌ واحدٌ، ومتى ألحقتْه القافة باثنين سقط قولها. وقال الجمهور: بل يُلحَق باثنين. ثمَّ اختلفوا، فنصَّ أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنَّه يُلحَق بثلاثةٍ، وقال صاحب «المغني»٢: ومقتضى هذا أنَّه يُلحَق بمن ألحقته القافة بهم٣ وإن كثروا. لأنَّه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنَّه لا يقول بالقافة،

  1. (١) د، ص، ب: «يحكم بالاثنين».
  2. (٢) (٨/ ٣٧٨). وفيه رواية مهنا.
  3. (٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «به». وليست في «المغني».
580

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي