صريحًا في إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين، كما يقوله الشَّافعيُّ ومن وافقه.
وأمَّا إذا أقرَّ أحد الورثة بأخٍ وأنكره الباقون، فإنَّما لم يثبت نسبُه لمجرَّد الإقرار، فأمَّا إذا كان هناك شبهٌ يستند إليه القائف فإنَّه لا يُعتبر إنكارُ الباقين. ونحن لا نَقصُر القافةَ على بني مُدلِجٍ، ولا نعتبر تعدُّد القائف، بل يكفي واحدٌ على الصَّحيح بناءً على أنَّه خبرٌ، وعن أحمد روايةٌ أخرى: أنَّه شهادةٌ فلا بدَّ من اثنين، ولفظ الشَّهادة بناء على اشتراط اللَّفظ.
فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنَّه ألحقه بأبوين، فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين، هل تُلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحدٍ؟ وإذا ألحقتموه بأبوينِ فهل يختصُّ ذلك باثنين أم يُلحَق بهم وإن كثروا؟ وهل حُكم الاثنين١ في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟
قيل: هذه مسائل فيها نزاعٌ بين أهل العلم، فقال الشَّافعيُّ ومن وافقه: لا يُلحَق بأبوين، ولا يكون للرَّجل إلا أبٌ واحدٌ، ومتى ألحقتْه القافة باثنين سقط قولها. وقال الجمهور: بل يُلحَق باثنين. ثمَّ اختلفوا، فنصَّ أحمد في رواية مهنا بن يحيى: أنَّه يُلحَق بثلاثةٍ، وقال صاحب «المغني»٢: ومقتضى هذا أنَّه يُلحَق بمن ألحقته القافة بهم٣ وإن كثروا. لأنَّه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنَّه لا يقول بالقافة،
(١) د، ص، ب: «يحكم بالاثنين».
(٢) (٨/ ٣٧٨). وفيه رواية مهنا.
(٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «به». وليست في «المغني».
فهو يُلحِقه بالمدَّعين وإن كثروا. وقال القاضي١: يجب أن لا يُلْحَق بأكثر من ثلاثةٍ، وهو قول محمد بن الحسن. وقال ابن حامد: لا يُلحَق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف.
فمن لم يُلحِقه بأكثر من واحدٍ قال: قد أجرى الله سبحانه عادته أنَّ للولد أبًا واحدًا وأمًّا واحدةً، ولذلك يقال: فلان بن فلانٍ، وفلان بن فلانة فقط، ولو قيل: فلان بن فلانٍ وفلانٍ لكان ذلك منكرًا وعُدَّ قذفًا. ولهذا إنَّما يقال يوم القيامة: أين فلان بن فلانٍ؟٢ وهذه غَدْرة فلان بن فلانٍ٣. ولم يُعهَد قطُّ في الوجود نسبةُ ولدٍ إلى أبوين قطُّ.
ومن ألحقَه باثنين احتجَّ بقول عمر وإقرار الصَّحابة له على ذلك، وبأنَّ الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرَّجل والمرأة. ثمَّ قال أبو يوسف٤: إنَّما جاء الأثر بذلك فيُقتَصر عليه.
وقال القاضي: لا يُتعدَّى به ثلاثةٌ؛ لأنَّ أحمد إنَّما نصَّ على الثَّلاثة. والأصل أن لا يُلحَق بأكثر من واحدٍ، وقد دلَّ قول عمر على إلحاقه باثنين مع
(١) كما في «المغني» (٨/ ٣٧٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٦٩٣) والدارمي (٢٦٩٤) وأبو داود (٤٩٤٨) وغيرهم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم تُدعَون يومَ القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسمائكم». وصححه ابن حبان (٥٨١٨)، وحسَّنه المؤلف في «تحفة المودود» (ص ١٦٣). وقال أبو داود بعد روايته: ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٧٧، ٦١٧٨) من حديث ابن عمر، ومسلم (١٧٣٥، ١٧٣٦) من حديث ابن عمر وابن مسعود.