وهذا المذهب كما تراه٢ قوَّةً ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثر من «الولد للفراش»، وصاحب هذا المذهب أوَّل قائلٍ به، والقياس الصَّحيح يقتضيه، فإنَّ الأب أحد الزَّانيين، وهو إذا كان يُلحَق بأمِّه ويُنسَب إليها، وتَرِثه ويَرِثها، ويثبت النَّسب بينه وبين أقارب أمِّه مع كونها زنَتْ به، وقد وُجِد الولد من ماء الزَّانيين، وقد اشتركا فيه، واتَّفقا على أنَّه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يَدِّعِه٣ غيره؟ فهذا محض القياس، وقد قال جُريج للغلام الذي زنت أمُّه بالرَّاعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلانٌ الرَّاعي٤، وهذا إنطاقٌ من الله لا يمكن فيه الكذب.
فإن قيل: فهل لرسول الله ﷺ في هذه المسألة حكمٌ؟
قيل: قد رُوِي عنه فيها حديثان، نحن نذكر شأنهما.
ذكر حكم رسول الله ﷺ في استلحاق ولد الزِّنا وتوريثه
ذكر أبو داود في «سننه»٥ من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله
(١) أخرجه مالك (٢١٥٩)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٢٦٣) من طريق سليمان بن دينار عنه، وسنده ضعيف؛ سليمان لم يدرك عمر، وهو موصول عند البيهقي وغيره دون هذه اللفظة، كما سبق في تخريجه قريبًا.
(٢) م: «ترى».
(٣) د، ص، ز: «لم يدعيه».
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) برقم (٢٢٦٤)، وكذا أحمد (٣٤١٦) من طريق سعيد بن جبير عنه، وسنده ضعيف؛ فيه راوٍ لم يُسمَّ، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٤٢) بإسقاط الذي لم يُسمَّ، لكن في سنده عمرو بن الحصين، وهو متروك، قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، وتعقبه الذهبي: «قلت: لعله موضوع». انظر: «ضعيف أبي داود - الأم» (٢/ ٢٤٨).
ﷺ: «لا مُساعاةَ في الإسلام، من ساعى في الجاهليَّة فقد لحق بعَصَبته، ومن ادَّعى ولدًا من غير رِشْدةٍ فلا يَرِث ولا يُورَث».
المساعاة: الزِّنا، وكان الأصمعيُّ يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنَّهنَّ يَسعَين لمواليهنَّ فيكسبن لهم، وكان عليهنَّ ضرائبُ مقرَّرةٌ، فأبطل النَّبيُّ ﷺ المساعاة في الإسلام، ولم يُلحِق النَّسبَ بها، وعفا عمَّا كان في الجاهليَّة منها١، وألحقَ النَّسبَ به. وقال الجوهري٢: يقال زنى الرَّجلُ وعَهَرَ، فهذا قد يكون بالحرَّة والأمة، ويقال في الأمة خاصَّةً: قد ساعاها.
ولكن في إسناد هذا الحديث رجلٌ مجهولٌ، فلا تقوم به حجَّةٌ.
وروى أيضًا في «سننه»٣ من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قضى أنَّ كلَّ مُستلْحَقٍ استُلْحِق بعد أبيه الذي يُدعى له ادَّعاه ورثته، فقضى أنَّ كلَّ من كان من أمةٍ يملكها يومَ أصابها فقد لَحِقَ مَنْ٤ استلحقه، وليس له ممَّا قُسِم قبله، وما أَدركَ من ميراثٍ لم يُقسَم فله نصيبُه،
(١) «منها» ليست في د، ص، ز.
(٢) في «الصحاح» (سعى).
(٣) برقم (٢٢٦٥)، وأخرجه بنحوه أحمد (٦٦٩٩، ٧٠٤٢)، والدارمي (٣١٥٤)، وابن ماجه (٢٧٤٦). وأعله المصنِّف بمحمد بن راشد، وقد وثَّقه ابن معين وأحمد وجماعة، وقال ابن عدي: «ليس بروايته بأس، وإذا حدث عنه ثقة فحديثه مستقيم». وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٧/ ٣٣).