قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسًا على الرأس. وقد دعا النبيُّ ﷺ للمحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرين واحدةً، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب٢. والله أعلم وأحكم.
فصل
في هديه في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه
كان ﷺ أفصح خلق الله، وأعذبهم كلامًا، وأحسنهم٣ أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ القلوب، ويسبي الأرواح. وشهد له بذلك أعداؤه.
وكان إذا تكلَّم تكلَّم بكلام مفصَّل مبيَّن يعُدُّه العادُّ، ليس بَهذٍّ مسرع لا يُحفَظ، ولا مقطَّع يتخلَّلُه السكتات بين أفراد الكلم، بل هديه فيه أكمل الهدي. قالت عائشة: «ما كان رسول الله ﷺ يسرُد سردَكم هذا، ولكن كان
(١) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ٢٣١) بإسناد صحيح عن عاصم بن محمد (بن زيد بن عبد الله بن عمر) عن أبيه عن ابن عمر.
(٢) انظر كلام الطحاوي بنحو ما ذكره ابن عبد البر في «شرح المعاني» (٤/ ٢٣٠).
(٣) في النسخ المطبوعة: «وأسرعهم»، وهو غلط، فليست السرعة في الأداء من صفته ﷺ كما جاء فيما بعد.
يتكلم بكلامٍ يبيِّنه، فَصْلٍ يحفظه مَن جلس إليه»١. وكان كثيرًا ما يعيد الكلمة ثلاثًا لِتُعقلَ عنه. وكان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا.
وكان طويل السَّكْت، لا يتكلَّم في غير حاجة. يفتتح الكلام ويختتمه٢ بأشداقه. ويتكلَّم بجوامع الكلِم، فَصْلٌ٣ لا فضول ولا تقصير. وكان لا يتكلَّم فيما لا يعنيه، ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو ثوابه.
وإذا كره الشيء عُرِف في وجهه. ولم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا.
وكان جُلُّ ضحكه بل كلُّه التبسُّم. وكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه. وكان يضحك مما يُضحَك منه، وهو ما يُتعجَّب من مثله، ويُستغرَب وقوعُه ويُستندَر.
وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن يرى ما يسُرُّه أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتدَّ غضبه. وسببه تعجُّبُ الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه وأنه في قبضته. وقد يكون ضحِكُه لمَلَكةِ نفسه٤ عند
(١) أخرجه الترمذي (٣٦٣٩) والنسائي في «الكبرى» (١٠١٧٤). وصححه الترمذي. وشطره الأول أخرجه مسلم (٢٤٩٣) وأبو داود (٣٦٥٥)، وعلقه البخاري بالجزم (٣٥٦٨)، وفيه قصة.
(٢) ج: «يختمه»، وكذا في رواية. وفي ك، ع: «يفتح الكلام ويختمه».
(٣) في حديث هند بن أبي هالة في «الشمائل» (٢١٥): «كلامه فصل».
(٤) كذا ضبط في ج، مب، ن، ويجوز أن يضبط: «لملكهِ نفسَه».