حتَّى أوجعَ الغلام وبكى، وقال: أنا أحقُّ بابني منكِ، فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به، وقال: ريحُها وفراشُها وحَرُّها١ خيرٌ له منك حتَّى يَشِبَّ ويختار لنفسه. ومجشَّر: سوقٌ بين قُباء والمدينة.
وذكر٢ عن الثَّوريِّ، عن عاصم، عن عكرمة قال: خاصمتْ امرأة عمر عمرَ٣ إلى أبي بكر، وكان طلَّقها، فقال أبو بكر: الأمُّ أعطفُ، وألطفُ، وأرحمُ، وأحنَى، وأرأفُ، هي أحقُّ بولدها ما لم تتزوَّج.
وذكر٤ عن معمر قال: سمعت الزُّهريَّ يحدِّث أنَّ أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمِّه، وقال: أمُّه أحقُّ به ما لم تتزوَّج.
فإن قيل: فقد اختلفت الرِّواية: هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأمِّ أوَّلًا ثمَّ بينه وبين الجدَّة، أو وقعتْ مرَّةً واحدةً بينه٥ وبين إحداهما؟
(١) كذا في النسخ و«المصنّف». وفي المطبوع: «وحجرها».
(٢) في «المصنف» (١٢٦٠٠). وأخرجه مالك (٢٢٣٠)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٣٩) من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أن عمر ...، وأخرجه سعيد بن منصور أيضًا من طريق مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعيف، والشعبي أدرك بعض الصحابة، وروى عن عمر ولم يسمع منه.
(٣) «عمر» ليست في ح. وهي مثبتة في بقية النسخ، وعليها في نسخة م علامة صح.
(٤) في «المصنف» (١٢٥٩٨).
(٥) «بينه» ليست في ز.
قيل: الأمر في ذلك قريبٌ، لأنَّها إن كانت من الأمِّ فواضحٌ، وإن كانت الجدَّة١ فقضاء الصِّدِّيق لها يدلُّ على أنَّ٢ الأمَّ أولى.
فصل
والولاية على الطِّفل نوعان: نوعٌ يُقدَّم فيه الأب على الأمِّ ومَن في جهتها، وهي ولاية المال والنِّكاح. ونوعٌ تُقدَّم فيه الأمُّ على الأب، وهي ولاية الحضانة والرَّضاع. وقُدِّم كلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقُّفِ مصلحته على مَن يلي ذلك من أبويه وتحصُل به كفايته.
ولمَّا كان النِّساء أعرفَ بالتَّربية وأقدرَ عليها، وأصبرَ وأرأفَ وأفرغَ لها٣؛ قُدِّمت٤ الأمُّ فيها على الأب.
ولمَّا كان٥ الرِّجال أقومَ بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قُدِّم الأب فيها على الأمِّ. فتقديم الأمِّ في الحضانة من محاسن الشَّريعة والاحتياط للأطفال والنَّظر لهم، وتقديمُ الأب في ولاية المال والتَّزويج كذلك.