تلك اللَّوازم الباطلة، وهو لم يطرده، وإن قدَّم بعضَ من في جهة الأب على بعض من في جهة الأمِّ كما فعل= طُولب بالفرق وبمناط التَّقديم.
وفيه إثبات الحضانة للأخت من الأمِّ١ دون الأخ من الأمِّ، وهو في درجتها ومساوٍ لها من كلِّ وجهٍ، فإن٢ كان ذلك لأنوثتها وهو ذكرٌ انتقضَ برجال العصبة كلِّهم، وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة، والحضانة لا تكون لرجلٍ إلا أن يكون من العصبة= قيل: فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهنَّ لقرابة من في درجتهنَّ من الذُّكور من كلِّ وجهٍ؟ فإمَّا أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها لذَكَرٍ، أو الميراثَ فلا تجعلوها لغير وارثٍ، أو القرابةَ فلا تمنعوا منها الأخَ من الأمِّ والخال وأبا الأمِّ، أو التَّعصيبَ فلا تعطوها لغير عصبةٍ.
فإن قلتم: بقي قسمٌ آخر وهو قولنا، وهو اعتبار التّعصيب في الذُّكور والقرابة في الإناث.
قيل: هذا مخالفٌ لباب الولايات وباب الميراث، والحضانة ولايةٌ على الطِّفل، فإن سلكتم بها مسلكَ الولايات فخُصُّوها بالأب والجدِّ، وإن سلكتم بها مسلكَ الميراث فلا تُعطوها لغير وارثٍ، وكلاهما خلاف قولكم وقول النَّاس أجمعين.
وفي كلامه أيضًا: تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجتُه على الخالة الَّتي هي أمٌّ، وهو في غاية البعد، وجمهور الأصحاب إنَّما جعلوا أولاد الإخوة بعد
(١) ح: «الأب»، غلط.
(٢) م، ح: «بأن».
أبي الأب والعمَّات، وهو الصَّحيح، فإنَّ الخالة أخت الأمِّ، وبها تُدلِي، والأمُّ مقدَّمةٌ على الأب، وابن الأخ إنَّما يُدلِي بالأخ الذي يُدلِي بالأب، فكيف يُقدَّم على الخالة؟ وكذا العمَّة أخت الأب وشقيقته، فكيف يُقدَّم ابنُ ابنه عليها؟
وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيميَّة بضابطٍ آخر، فقال١: أقربُ ما يُضبط به باب الحضانة أن يقال: لمَّا كانت الحضانة ولايةً تعتمد الشَّفقة والتَّربية والملاطفة كان أحقُّ النَّاس بها أقومَهم بهذه الصِّفات، وهم أقاربه، يُقدَّم منهم أقربُهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدًا، فإن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذَّكر، فتُقدَّم الأمُّ على الأب، والجدَّة على الجدِّ، والخالة على الخال، والعمَّة على العمِّ، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو أنثيين قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإن اختلفت درجتهم من الطِّفل، فإن كانوا من جهةٍ واحدةٍ قُدِّم الأقرب إليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجدِّ، والجدَّة والجدُّ أبو الأمِّ على الأخ للأمِّ. هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ جهة الأبوَّة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوَّة فيها. وقيل: يُقدَّم الأخ للأمِّ لأنَّه أقوى من أبي الأمِّ في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد.
وفيه وجهٌ ثالثٌ: لا حضانةَ للأخ من الأمِّ بحال؛ لأنَّه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضًا، فإنَّ صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانةَ له، ولا نزاع أنَّ أبا الأمِّ وأمَّهاته أولى من الخال، وإن كانوا من
(١) لم أجد هذا النصّ في كتبه المطبوعة، وله «قاعدة في حضانة الولد» نشرتُها في «جامع المسائل» (٣/ ٣٩٧ - ٤٣٠).