زاد المعاد

إن قلنا: الحقُّ له، وإن قلنا: عليه، وجبَ خدمته مجَّانًا. وإن كان الحاضن فقيرًا، فله الأجرة على القولين.

وإذا وُهِبت الحضانة للأب وقلنا: الحقُّ لها، لزمت الهبةُ ولم ترجع فيها، وإن قلنا: الحقُّ عليها، فلها العَوْد إلى طلبها.

والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعدُ كهبة الشُّفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين= أنَّ الهبة في الحضانة قد وُجِد سببها، فصار بمنزلة ما قد وُجِد. وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرًا لزِمت الهبة، ولم ترجع فيها.

هذا كلُّه كلام أصحاب مالكٍ وتفريعهم، والصَّحيح أنَّ الحضانة حقٌّ لها، وعليها إذا احتاج الطِّفل إليها ولم يُوجد غيرها، وإن اتَّفقتْ هي ووليُّ الطِّفل على نقلها إليه جاز. والمقصود أنَّ في قوله ﷺ: «أنتِ أحقُّ به» دليلًا على أنَّ الحضانة حقٌّ لها.

فصل

وقوله: «ما لم تنكحي»، اختُلف فيه: هل هو تعليلٌ أو توقيتٌ؟ على قولين، ينبني عليهما: ما لو تزوَّجتْ وسقطتْ حضانتها ثمَّ طلِّقت، فهل تعود الحضانة؟ فإن قيل: اللَّفظ تعليلٌ، عادت الحضانة بالطَّلاق؛ لأنَّ الحكم إذا ثبت بعلَّةٍ زال بزوالها، وعلَّة سقوط الحضانة التَّزويج، فإذا طلِّقت زالت العلَّة، فزال حكمها، وهذا قول الأكثرين، منهم الشَّافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة.

ثمَّ اختلفوا فيما إذا كان الطَّلاق رجعيًّا، هل يعود حقُّها بمجرَّده، أو

30

يتوقَّف عَودُها على١ انقضاء العدَّة؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد والشَّافعيِّ ومالك، أحدهما: يعود بمجرَّده، وهو ظاهر مذهب الشَّافعيِّ. والثَّاني: لا يعود حتَّى تنقضي العدَّة، وهو قول أبي حنيفة والمزني. هذا كلُّه تفريعٌ على أنَّ قوله: «ما لم تنكحي» تعليلٌ، وهو قول الأكثرين.

وقال مالك في المشهور من مذهبه: إذا تزوَّجت ودخل بها لم يَعُدْ حقُّها من الحضانة وإن طُلِّقت. قال بعض أصحابه: وهذا بناءً على أنَّ قوله «ما لم تنكحي» للتَّوقيت، أي: حقُّك من الحضانة موقَّتٌ إلى حين نكاحك، فإذا نكحتِ انقضى وقت الحضانة، فلا يعود بعد انقضاء وقتها، كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطِّفل واستغنائه عنها. وقال بعض أصحابه: يعود حقُّها إذا فارقَها زوجها، كقول الجمهور، وهو قول المغيرة وابن أبي حازم. قالوا: لأنَّ المقتضي لحقِّها من الحضانة هو قرابتها الخاصَّة، وإنَّما عارضها مانعُ النِّكاح؛ لما يوجبه من إضاعة الطِّفل، واشتغالها بحقوق الزَّوج الأجنبيِّ منه عن مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك مِنَّةٌ وغَضاضةٌ. فإذا انقطع النِّكاح٢ بموتٍ أو فرقةٍ زال المانع٣ والمقتضي قائمٌ، فترتَّب عليه أثره. وهكذا كلُّ من قام به من أهل الحضانة مانعٌ منها، ككفرٍ أو رقٍّ أو فسقٍ أو بدوٍ، فإنَّه لا حضانة له، فإن زالت الموانع عاد حقُّهم من الحضانة، فهكذا النِّكاح والفرقة.

وأمَّا النِّزاع في عَود الحضانة بمجرَّد الطَّلاق الرَّجعيِّ، أو توقُّفه على

  1. (١) ز: «إلى».
  2. (٢) د: «بالنكاح».
  3. (٣) ز: «المعنى».
31

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي