الثَّانية: اتِّفاق الصَّحابة على ذلك، وقد تقدَّم قول الصِّدِّيق لعمر: إنها أحقُّ به ما لم تتزوَّج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالفَ لهما من الصَّحابة البتَّةَ، وقضى به شُريح والقضاةُ بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار.
الثَّالثة١: ما رواه عبد الرزاق٢: أنا ابن جريجٍ، أنا أبو الزبير، عن رجلٍ صالحٍ من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن٣، قال: كانت امرأةٌ من الأنصار تحت رجلٍ من الأنصار، فقُتِل عنها يوم أحدٍ، وله منها ولدٌ، فخطبها عمُّ ولدها ورجلٌ آخر إلى أبيها، فأنكحَ الآخر، فجاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: أنكحَني أبي رجلًا لا أريده، وترك عمَّ ولدي، فأخذَ منِّي ولدي، فدعا رسول الله ﷺ أباها، فقال٤: «أنت الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عمَّ ولدك». فلم ينكر أخْذَ الولد منها لمَّا تزوَّجت، بل أنكحها عمَّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليلٌ على سقوط الحضانة بالنِّكاح، وبقائها إذا تزوَّجت بنسيبٍ من الطِّفل.
واعترض أبو محمد ابن حزم٥ على هذا الاستدلال بأنَّ حديث
(١) في النسخ: «الثالث».
(٢) في «المصنف» (١٠٣٠٤)، ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٢٥) وقال عقبه: «هذا مرسل، وفيه مجهول، ومثل هذا لا يحتج به».
(٣) ز: «سلمة بن أبي عبد الرحمن»، خطأ.
(٤) بعدها في المطبوع: «أنكحتَ فلانًا فلانةً؟ قال: نعم، قال». وليست في النسخ و«المحلى».
(٥) في «المحلى» (١٠/ ٣٢٥).
عمرو بن شعيبٍ صحيفةٌ، وحديث أبي سلمة هذا مرسلٌ، وفيه مجهولٌ. والاعتراضان ضعيفان، فقد بيَّنَّا١ احتجاج الأئمَّة بعمرو في تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجلٍ قولُ ابن حزمٍ وقول البخاريِّ وأحمد وابن المدينيِّ والحُميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يُلتفت إلى سواهم.
وأمَّا حديث أبي سلمة هذا، فإنَّ أبا سلمة من كبار التَّابعين، وقد حكى القصَّةَ عن الأنصاريَّة، ولا يُنكَر لقاؤه لها، فلا يتحقَّق الإرسال، ولو تحقَّق فمرسلٌ جيِّدٌ، له شواهد مرفوعةٌ وموقوفةٌ، وليس الاعتماد عليه وحده، وعنى بالمجهول الرَّجلَ الصَّالح الذي شهد له أبو الزبير بالصَّلاح، ولا ريبَ أنَّ هذه الشَّهادة لا تعرِّف به، ولكنَّ المجهول إذا عدَّله الرَّاوي عنه الثِّقة ثبتت عدالته، وإن كان واحدًا على أصحِّ القولين، فإنَّ التَّعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشَّهادة، ولا سيَّما التَّعديل في الرِّواية، فإنَّه يُكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرِّواية. هذا مع أنَّ أحد القولين: إنَّ مجرَّد رواية العدل عن غيره تعديلٌ له، وإن لم يصرِّح بالتَّعديل، كما هو إحدى الرِّوايتين عن أحمد. وأمَّا إذا روى عنه وصرَّح بتعديله٢، خرج عن الجهالة الَّتي تُردُّ لأجلها روايته، لا سيَّما إذا لم يكن معروفًا بالرِّواية عن الضُّعفاء والمتَّهمين.
وأبو الزبير وإن كان فيه تدليسٌ فليس معروفًا بالتَّدليس عن المتَّهمين والضُّعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السَّلف، لم يكونوا يدلِّسون عن متَّهمٍ