المتوقَّع من الكافر؟ مع١ أنَّ الصَّواب أنَّه لا تُشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شَرَطَها أصحاب أحمد والشَّافعيِّ وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشتُرِطَ٢ في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم٣، ولعظمت المشقَّة على الأمَّة، واشتدَّ العَنَتُ. ولم يزل من حينِ قام الإسلام إلى أن تقوم السَّاعة أطفال الفسَّاق بينهم لا يتعرَّض لهم أحدٌ في الدُّنيا، مع كونهم هم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاعُ طفلٍ من أبويه أو أحدِهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسرِ واستمرارِ العمل المتَّصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النِّكاح، فإنَّه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أنَّ أكثر الأولياء الذين يَلُون٤ ذلك فسَّاقٌ. ولم يزل الفسوق في النَّاس، ولم يمنع النَّبيُّ ﷺ ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه مَوْلِيَّتَه، والعادة شاهدةٌ بأنَّ الرَّجل ولو كان من الفسَّاق فإنَّه يحتاط لابنته ولا يضيِّعها، ويَحرِص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّر خلاف ذلك. فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى المعتاد. والشَّارع يكتفي في ذلك بالباعث الطَّبيعيِّ. ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانةِ وولايةِ النِّكاح لكان بيان هذا للأمَّة من أهمِّ الأمور، واعتناء الأمَّة بنقله٥ وتوارث العمل به
(١) «مع» ليست في ح.
(٢) د، ص، ز: «اشترطت».
(٣) ح: «العامة».
(٤) م، ح: «يكون»، تحريف.
(٥) د، ص، ز: «بنقلها».
مقدَّمًا على كثيرٍ ممَّا نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتِّصال العمل بخلافه؟ ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرِبَ١ أو أتى كبيرةً فُرِّق بينه وبين أولاده الصِّغار والتمس لهم غيره، والله أعلم.
نعم، العقل مشتَرَطٌ في الحضانة، فلا حضانة لمجنونٍ ولا معتوهٍ ولا طفلٍ؛ لأنَّ هؤلاء يحتاجون إلى من يحضُنُهم ويكفُلُهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟
وأمَّا اشتراط الحرِّيَّة، فلا ينهض عليه دليلٌ يركَنُ القلب إليه، وقد شرَطَه أصحاب الأئمَّة الثَّلاثة. وقال مالك في حرٍّ له ولدٌ من أمةٍ: إنَّ الأمَّ أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأبُ أحقَّ بها. وهذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُولَّه والدةٌ عن ولدها»٢، وقال: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّتِه يومَ القيامة»٣. وقد قالوا: لا يجوز التَّفريق في البيع بين الأمِّ
(١) بعدها في المطبوع: «خمرًا» وليست في النسخ.
(٢) روي عن عدد من الصحابة من وجوه لا تثبت، فقد أخرجه حرب الكرماني في «مسائله» (ص ٢٤١) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٨) من حديث أبي بكر الصديق ﵁، وابن عدي في «الكامل» (٨/ ١٦٣) من حديث أنس بن مالك ﵁، وبنحوه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٤٧٧) من حديث نُقادة ﵁. وهو حديث ضعيف جدًّا، وينظر: «البدر المنير» لابن الملقن (٦/ ٥١٨) و«السلسلة الضعيفة» للألباني (٤٧٩٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٤٩٩)، والترمذي (١٥٦٦)، والحاكم (٢/ ٦٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». وحسَّنه الألباني في التعليق على «مشكاة المصابيح» (٢/ ١٠٠٣).