اعتبره، فهو كقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة: ٢٣٠]، ومن لم يعتبره فالمراد بالنِّكاح عنده العقد.
وأمَّا حكم الحاكم بسقوط الحضانة، فذاك إنَّما يُحتاج إليه عند التَّنازع والخصومة بين المتنازعين، فيكون منفِّذًا لحكم رسول الله ﷺ، لا أنَّ رسول الله ﷺ أوقف سقوط الحضانة على حكمه، بل قد حكم هو بسقوطها، حكمَ به الحكَّام١ بعده أو لم يحكموا. والَّذي دلَّ عليه هذا الحكم النَّبويُّ أنَّ الأمَّ أحقُّ بالطِّفل ما لم يوجد منها النِّكاح، فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق، وانتقل الحقُّ إلى غيرها. فأمَّا إذا طلبه من له الحقُّ وجبَ على خصمه أن يبذله له، فإن امتنع أجبره الحاكم عليه، وإن أسقط حقَّه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أوَّلًا. فهذه٢ قاعدةٌ عامَّةٌ مستفادةٌ من غير هذا الحديث.
فصل
وقد احتجَّ٣ من لا يرى التَّخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث، ووجه الاستدلال أنَّه قال: «أنتِ أحقُّ به»، ولو خُيِّر الطِّفل لم تكن هي أحقَّ به إلّا إذا اختارها، كما أنَّ الأب لا يكون أحقَّ به إلا إذا اختاره، فإن قُدِّر: أنتِ أحقُّ به إن اختارك، قُدِّر ذلك في جانب الأب، والنَّبيُّ ﷺ جعلها أحقَّ به مطلقًا عند المنازعة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهبَ النَّاس فيها، والاحتجاج لأقوالهم، ونُرجِّح ما وافق حكمَ
(١) ح: «الحاكم».
(٢) م، ز: «فهذا».
(٣) «احتج» ليست في د.
رسول الله ﷺ منها.
ذِكر قول أبي بكر الصديق ﵁
ذكر عبد الرزاق١ عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عبَّاسٍ قال: طلَّق عمر بن الخطَّاب امرأته، فذكر الأثر المتقدِّم، وقال فيه: ريحُها وفراشُها خيرٌ له منك حتَّى يَشِبَّ ويختار لنفسه، فحكم به لأمِّه حين لم يكن له تمييزٌ إلى أن يشبَّ ويميِّز ويخيَّر حينئذٍ.
ذِكر قول عمر بن الخطاب ﵁
قال الشَّافعيُّ٢: أنا ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد٣ بن جابرٍ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرَّحمن بن غَنْمٍ أنَّ عمر بن الخطَّاب خَيَّر غلامًا بين أبيه وأمِّه.
وقال عبد الرزاق٤: أبنا ابن جريجٍ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: خيَّر عمر غلامًا بين أبيه وأمِّه، فاختار أمَّه فانطلقت به.
وذكر عبد الرزاق٥ أيضًا: عن معمر، عن أيوب، عن إسماعيل بن
(١) تقدم تخريجه (ص ١٠).
(٢) أخرجه من طريق الشافعي البيهقي في «السنن الكبرى» (٨/ ٤) و«معرفة السنن والآثار» (١١/ ٣٠٢)، وأخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٤١)، وابن أبي شيبة (١٩١١٥) وحرب الكرماني في «مسائله» (ص ٢٤٠) من طريق ابن عيينة به.
(٣) د، ص، ز: «بن أبي يزيد»، خطأ.
(٤) «المصنف» (١٢٦٠٤، ١٢٦٠٥)، وعبد الله بن عُبيد لم يدرك عمر.