بكت عيني وحُقَّ لها بُكاهاوما يغني البكاء ولا العويلُ
وما كان منه مستدعًى متكلَّفًا فهو التباكي، وهو نوعان: محمود ومذموم. فالمحمود أن يُستجلَب لرقَّة القلب ولخشية الله١، لا للرياء والسمعة. والمذموم أن يُجتلَب٢ لأجل الخلق.
وقد قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يُبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلَّا تباكيتُ٣. ولم ينكر عليه النبي ﷺ٤.
وقال بعض السلف: ابكُوا من خشية الله، فإن لم تبكُوا فتباكَوا٥.
فصل
في هديه ﷺ في خطبه
خطب٦ﷺ على الأرض، وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة.
(١) ص: «ولخشيته». وفي ج: «وللخشية».
(٢) ك، ع: «يجلب». وفي ج، مب: «يستجلب».
(٣) في طبعة الرسالة: «وإن لم أجد تباكيت لبكائكما» دون تنبيه على هذا التصرُّف في المتن.
(٤) جزء حديث طويل في شأن بدر وأسارها، أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٥) أخرجه وكيع في «الزهد» (٢٩) ــ ومن طريقه ابن أبي شيبة (٣٥٥٧٨، ٣٦٦٧٨) وأبو داود في «الزهد» (٣٦) ــ من قول أبي بكر الصديق. فيه عرفجة السلمي، فيه لين، ولم يلق أبا بكر. وبمثله أخرج ابن أبي شيبة (٣٦٦٨٣) من قول عبد الله بن عمرو، وفي إسناده ضعف. وقد روي مرفوعًا أيضًا من عدة طرق، لكن كلها ضعيفة؛ منها ما روى ابن المبارك في «الزهد» (٢/ ٨٥) من حديث أنس.
(٦) ص: «خطب النبي».
وكان إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم، مسَّاكم. ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدَثاتها، وكلُّ بدعة ضلالة»١.
وكان لا يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم به سنَّة عن النبي ﷺ البتة. والسنَّةُ تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله٢، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدَّس الله روحه٣.
وكان يخطب قائمًا. وفي مراسيل عطاء٤ وغيره أنه ﷺ كان إذا صعِد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: «السلام عليكم». قال الشعبي٥: وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك.
وكان يختم خطبه بالاستغفار. وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن. وفي «صحيح مسلم»٦ عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ
(١) أخرجه مسلم (٨٦٧).
(٢) لم يرد «لله» في ص، ج.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤). وسيأتي ذكر المسألة واختيار شيخ الإسلام مرة أخرى.