فإن قيل: فقد قدَّمتم التَّخيير على القرعة، والحديث فيه تقديم القرعة أوَّلًا ثمَّ التَّخيير، وهذا أولى؛ لأنَّ القرعة طريقٌ شرعيٌّ للتَّقديم عند تساوي المستحقِّين، وقد تساوى الأبوان، فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة، فإن أَبَيَا القرعة لم يبقَ إلا اختيارُ الصَّبيِّ، فيُرجَّح به، فما بالُ أصحاب أحمد والشَّافعيِّ قدَّموا التَّخيير على القرعة؟
قيل: إنَّما قُدِّم التَّخيير لاتِّفاق ألفاظ الحديث عليه، وعملِ الخلفاء الرَّاشدين به، وأمَّا القرعة فبعض الرُّواة ذكرها في الحديث١، وبعضهم لم يذكرها، وإنَّما كانت في بعض طرق حديث أبي هريرة وحده، فقدِّم التَّخيير عليها، فإذا تعذَّر القضاء بالتَّخيير تعيَّنت القرعةُ طريقًا للتَّرجيح؛ إذ لم يبقَ سواها.
ثمَّ قال المخيِّرون للغلام والجارية: روى النَّسائيُّ في «سننه» والإمام أحمد في «مسنده»٢ من حديث رافع بن سِنان: أنَّه تنازع هو وأمٌّ٣ في ابنتها، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقعدَه ناحيةً، وأقعدَ المرأة ناحيةً، وأقعد الصَّبيَّة بينهما، وقال: ادْعُواها، فمالت إلى أمِّها، فقال النَّبيُّ ﷺ: «اللَّهمَّ اهْدِها»، فمالت إلى أبيها فأخذَها.
قالوا: ولو لم يَرِد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة والآثار المتقدِّمة
(١) د، ص: «حديث».
(٢) تقدم تخريجه (ص ٦).
(٣) في النسخ: «وأمّ أمّ». والمثبت موافق للرواية.
حجَّةً في تخيير الأنثى؛ لأنَّ كون الطِّفل ذَكَرًا لا تأثيرَ له في الحكم، بل هي كالذَّكر في قوله ﷺ: «من وَجدَ متاعَه عند رجلٍ قد أفلسَ»١، وفي قوله: «من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ»٢. بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذُّكوريَّة فيه؛ لأنَّ لفظ الصَّبيِّ ليس من كلام الشَّارع، إنَّما الصَّحابيُّ حكى القصَّة، وأنَّها كانت في صبيٍّ، فإذا نُقِّحَ المناط تبيَّن أنَّه لا تأثير لكونه ذكرًا.
قالت الحنابلة: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: استدلالكم بحديث رافع، والثَّاني: إلغاؤكم وصف الذُّكوريَّة في أحاديث التَّخيير.
فأمَّا الأوَّل، فالحديث قد ضعَّفه ابن المنذر وغيره، وضعَّف يحيى بن سعيدٍ والثَّوريُّ عبدَ الحميد بن جعفر. وأيضًا فقد اختُلف فيه على قولين، أحدهما: أنَّ المخيَّر كان بنتًا، وروي أنَّه كان ابنًا. فقال عبد الرزاق٣: أنا سفيان، عن عثمان البتَّيِّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ أبويه اختصما إلى النَّبيِّ ﷺ، أحدهما مسلمٌ والآخر كافرٌ، فتوجَّه إلى الكافر، فقال النَّبيُّ ﷺ: «اللَّهمَّ اهدِه»، فتوجَّه إلى المسلم فقضى له٤ به.
(١) أخرجه أحمد (٨٥٦٦)، وأبو داود (٣٥٢٠)، وابن ماجه (٢٣٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩) بلفظ: «من أدرك ماله بعينه عند رجل ...».
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) برقم (١٢٦١٦)، ومن طريقه النسائي (٣٤٩٥)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٣٥٢)، وتقدم كلام المؤلف عليه (ص ٤٠).