زاد المعاد

الثَّالث: أنَّه لم يفهم أحدٌ من السَّامعين أنَّهم تنازعوا في رجلٍ كبيرٍ بالغٍ عاقلٍ، وأنَّه خُيِّر بين أبويه، ولا يَسبِق إلى هذا فهمُ أحدٍ البتَّةَ، ولو فُرِض تخييره لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه.

الرَّابع: أنَّه لا يُعقَل في العادة ولا العرف ولا الشَّرع أن يتنازع الأبوان في رجلٍ كبيرٍ بالغٍ عاقلٍ، كما لا يُعقَل في الشَّرع تخييرُ من هذه حالُه بين أبويه.

الخامس: أنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنَّ الولد كان صغيرًا لم يبلغ، ذكره النَّسائيُّ١، وهو حديث رافع بن سِنان، وفيه: فجاء ابنٌ لها صغيرٌ لم يبلغ، فأجلس النَّبيُّ ﷺ الأبَ هاهنا والأمَّ هاهنا، ثمَّ خيَّره.

وأمَّا قولكم: إنَّ بئر أبي عِنَبةَ على أميالٍ من المدينة، فجوابه: بمطالبتِكم أوَّلًا بصحَّة هذا الحديث ومن ذكره، وثانيًا: بأنَّ مسكنَ هذه المرأة كان بعيدًا من البئر، وثالثًا: بأنَّ من له نحو العشر سنين لا يُمكِنُه أن يستقي من البئر المذكورة عادةً، وكلُّ هذا ممَّا لا سبيلَ إليه، فإنَّ العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصِّغار من آبارٍ هي أبعدُ من ذلك.

وأمَّا تقييدنا له بالسَّبع، فلا ريب أنَّ الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمرٌ مجمعٌ عليه، فإنَّ للمخيِّرين قولين:

أحدهما: أنَّه يُخيَّر لخمسٍ، حكاه إسحاق بن راهويه، ذكره عنه حرب في «مسائله»٢. ويُحتَجُّ لهؤلاء بأنَّ الخمس هي السِّنُّ الَّتي يصحُّ فيها سماع

  1. (١) برقم (٣٤٩٥).
  2. (٢) (ص ٢٤٠).
63

الصَّبيِّ، ويمكن أن يَعقِل فيها، وقد قال محمود بن لبيد١: عَقَلتُ عن النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين٢.

والقول الثَّاني: إنَّه إنَّما يُخيَّر لسبعٍ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق، ويُحتجَ لهذا القول بأنَّ التَّخيير يستدعي التَّمييز والفهم، ولا ضابطَ له في الأطفال، فضُبِط بمَظِنَّته وهي السَّبع، فإنَّها أوَّل سنِّ التَّمييز؛ ولهذا جعلها النَّبيُّ ﷺ حدًّا للوقت الذي يؤمر فيه٣ بالصِّلاة.

وقولكم: إنَّ الأحاديث وقائعُ أعيانٍ، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملُها على تخيير الرِّجال البالغين كما تقدَّم. وفي بعضها لفظ «غلام»، وفي بعضها «صغيرٌ لم يبلغ»، وباللَّه التَّوفيق.

فصل

وأمَّا قصَّة بنت حمزة، واختصام علي وزيد وجعفر فيها، وحُكْم رسول الله ﷺ بها لجعفر، فإنَّ هذه الحكومة كانت عقيبَ فراغهم من عمرة القضاء، فإنَّهم لمَّا خرجوا من مكَّة تبِعتْهم ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ، فأخذ عليٌّ

  1. (١) كذا في النسخ، والصواب: «محمود بن الربيع» كما في مصادر التخريج. وفي «الإصابة» (١٠/ ٦٨): ذكر ابن خزيمة أن محمود بن الربيع هو محمود بن لبيد، وأنه محمود بن الربيع بن لبيد، نُسِب لجدّه. وفيه بُعدٌ، ولاسيما ومحمود بن لبيد أشهلي من الأوس، ومحمود بن الربيع خزرجي.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٧)، ومسلم (١/ ٤٥٦ رقم ٣٣)، ولكنه عند مسلم دون زيادة: «وأنا ابن خمس سنين».
  3. (٣) بعدها في المطبوع: «الصبي». وليست في النسخ.
64

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي