الصَّبيِّ، ويمكن أن يَعقِل فيها، وقد قال محمود بن لبيد١: عَقَلتُ عن النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين٢.
والقول الثَّاني: إنَّه إنَّما يُخيَّر لسبعٍ، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق، ويُحتجَ لهذا القول بأنَّ التَّخيير يستدعي التَّمييز والفهم، ولا ضابطَ له في الأطفال، فضُبِط بمَظِنَّته وهي السَّبع، فإنَّها أوَّل سنِّ التَّمييز؛ ولهذا جعلها النَّبيُّ ﷺ حدًّا للوقت الذي يؤمر فيه٣ بالصِّلاة.
وقولكم: إنَّ الأحاديث وقائعُ أعيانٍ، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملُها على تخيير الرِّجال البالغين كما تقدَّم. وفي بعضها لفظ «غلام»، وفي بعضها «صغيرٌ لم يبلغ»، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
وأمَّا قصَّة بنت حمزة، واختصام علي وزيد وجعفر فيها، وحُكْم رسول الله ﷺ بها لجعفر، فإنَّ هذه الحكومة كانت عقيبَ فراغهم من عمرة القضاء، فإنَّهم لمَّا خرجوا من مكَّة تبِعتْهم ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ، فأخذ عليٌّ
(١) كذا في النسخ، والصواب: «محمود بن الربيع» كما في مصادر التخريج. وفي «الإصابة» (١٠/ ٦٨): ذكر ابن خزيمة أن محمود بن الربيع هو محمود بن لبيد، وأنه محمود بن الربيع بن لبيد، نُسِب لجدّه. وفيه بُعدٌ، ولاسيما ومحمود بن لبيد أشهلي من الأوس، ومحمود بن الربيع خزرجي.
(٢) أخرجه البخاري (٧٧)، ومسلم (١/ ٤٥٦ رقم ٣٣)، ولكنه عند مسلم دون زيادة: «وأنا ابن خمس سنين».
(٣) بعدها في المطبوع: «الصبي». وليست في النسخ.
بيدها، ثمَّ تنازع فيها هو وجعفر وزيد، وذكر كلُّ واحدٍ من الثَّلاثة ترجيحًا، فذكر زيد أنَّها ابنة أخيه للمؤاخاة الَّتي عقدها رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة، وذكر عليٌّ كونَها ابنةَ عمِّه، وذكر جعفر مرجِّحين: القرابة، وكون خالتها عنده، فتكون عند خالتها، فاعتبر النَّبيُّ ﷺ مرجِّحَ جعفر دون المرجِّحين الآخرين، فحكم له، وجَبَرَ كلَّ واحدٍ منهم وطيَّب قلبه بما هو أحبُّ إليه من أخذ البنت.
فأمَّا مرجِّح المؤاخاة فليس بمقتضٍ للحضانة، ولكن زيد كان وصيَّ حمزة، وكان الإخاء حينئذٍ يثبت به التَّوارث، فظنَّ زيد أنَّه أحقُّ بها لذلك.
وأمَّا مرجِّح القرابة هاهنا وهي بنوَّة العمِّ، فهل يستحقُّ بها الحضانة؟ على قولين:
أحدهما: يستحقُّ بها وهو منصوص الشَّافعيِّ، وقول مالك وأحمد وغيرهم لأنَّه عصبةٌ، وله ولايةٌ بالقرابة١، فقُدِّم على الأجانب كما يُقدَّم عليهم في الميراث وولاية النِّكاح وولاية الموت، ورسول الله ﷺ لم ينكر على جعفر وعلي ادِّعاءهما حضانتَها٢، ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما الدَّعوى الباطلة، فإنَّها دعوى ما ليس لهما، وهو لا يُقِرُّ على باطلٍ.
والقول الثَّاني: أنَّه لا حضانةَ لأحدٍ من الرِّجال سوى الآباء والأجداد، وهذا قول بعض أصحاب الشَّافعيِّ، وهو مخالفٌ لنصِّه وللدَّليل.
فعلى قول الجمهور ــ وهو الصَّواب ــ إذا كان الطِّفل أنثى، وكان ابن