في هذه القصَّة: «وأمَّا الجارية فأَقْضِي١ بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنَّما الخالة أمٌّ». ثمَّ ساقه٢ من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وقال: «قضى بها لجعفر؛ لأنَّ خالتها عنده». ثمَّ ساقه٣ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهُبَيرة بن يَرِيم٤، وقال: فقضى بها النَّبيُّ ﷺ لخالتها، وقال: «الخالةُ بمنزلة الأمِّ».
واستشكل كثيرٌ من الفقهاء هذا وهذا، فإنَّ القضاء إن كان لجعفر فليس محرمًا لها، وهو وعلي سواءٌ في القرابة منها، وإن كان للخالة فهي مزوَّجةٌ، والحاضنة إذا تزوَّجت سقطت حضانتها. ولمَّا ضاق هذا على ابن حزمٍ طعن في القصَّة بجميع طرقها، وقال٥: أمَّا حديث البخاريِّ فمن رواية إسرائيل، وهو ضعيفٌ. وأمَّا حديث هانئ وهُبيرة فمجهولان. وأمَّا حديث ابن أبي ليلى فمرسلٌ، وأبو فروة الرَّاوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف. وأمَّا حديث نافع بن عُجَير فهو وأبوه مجهولان، ولا حجَّة في مجهولٍ. قال٦: إلا أنَّ هذا الخبر بكلِّ وجهٍ حجَّةٌ على الحنفيين والمالكيين والشافعيين؛ لأنَّ خالتها كانت مزوَّجةً بجعفر، وهو أجمل شابٍّ في قريشٍ،
(١) د، ص، ز: «فقضى». والمثبت من م موافق للرواية.
(٢) برقم (٢٢٧٩).
(٣) برقم (٢٢٨٠).
(٤) م: «مريم»، تحريف.
(٥) في «المحلى» (١٠/ ٣٢٦).
(٦) في المصدر نفسه، والكلام متصل بما قبله.
وليس هو ذا محرمٍ١ من بنت حمزة. قال: ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها؛ لأنَّ ذلك أحفظُ لها.
قلت: وهذا من تهوُّره ﵀ وإقدامِه على تضعيف ما اتفق النَّاس على صحَّته، فخالفهم وحدَه، فإنَّ هذه القصَّة شهرتها في الصِّحاح والسُّنن والمساند والسِّير والتَّواريخ تُغنِي عن إسنادها، فكيف وقد اتَّفق عليها صاحبا الصَّحيح، ولم يُحفظ عن أحدٍ قبله الطَّعنُ فيها البتَّةَ.
وقوله: إسرائيل ضعيفٌ، فالَّذي غرَّه في ذلك تضعيفُ عليِّ بن المدينيِّ له، ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث، واحتجُّوا به، ووثَّقوه وثبَّتوه٢. قال أحمد: ثقةٌ، وتعجَّب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولا سيَّما قد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السُّورة من القرآن، وروى له الجماعة كلُّهم محتجِّين به.
وأمَّا قوله: إنَّ هانئًا وهُبيرةَ مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند أهل السُّنن، ووثَّقهما الحفَّاظ، فقال النَّسائيُّ: هانئ بن هانئ ليس به بأسٌ، وهبيرة روى له أهل السُّنن الأربعة وقد وثِّق٣.
وأمَّا قوله: حديث ابن أبي ليلى مرسل، وأبو فروة الرَّاوي عنه مسلم بن مسلم٤ الجهني ليس بالمعروف، فالتَّعليلان باطلان؛ فإنَّ عبد الرَّحمن بن