وليس هو ذا محرمٍ١ من بنت حمزة. قال: ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها؛ لأنَّ ذلك أحفظُ لها.
قلت: وهذا من تهوُّره ﵀ وإقدامِه على تضعيف ما اتفق النَّاس على صحَّته، فخالفهم وحدَه، فإنَّ هذه القصَّة شهرتها في الصِّحاح والسُّنن والمساند والسِّير والتَّواريخ تُغنِي عن إسنادها، فكيف وقد اتَّفق عليها صاحبا الصَّحيح، ولم يُحفظ عن أحدٍ قبله الطَّعنُ فيها البتَّةَ.
وقوله: إسرائيل ضعيفٌ، فالَّذي غرَّه في ذلك تضعيفُ عليِّ بن المدينيِّ له، ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث، واحتجُّوا به، ووثَّقوه وثبَّتوه٢. قال أحمد: ثقةٌ، وتعجَّب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ولا سيَّما قد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السُّورة من القرآن، وروى له الجماعة كلُّهم محتجِّين به.
وأمَّا قوله: إنَّ هانئًا وهُبيرةَ مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند أهل السُّنن، ووثَّقهما الحفَّاظ، فقال النَّسائيُّ: هانئ بن هانئ ليس به بأسٌ، وهبيرة روى له أهل السُّنن الأربعة وقد وثِّق٣.
وأمَّا قوله: حديث ابن أبي ليلى مرسل، وأبو فروة الرَّاوي عنه مسلم بن مسلم٤ الجهني ليس بالمعروف، فالتَّعليلان باطلان؛ فإنَّ عبد الرَّحمن بن
(٤) كذا في النسخ والمطبوع، والصواب «مسلم بن سالم» كما سبق، وسيأتي.
أبي ليلى روى عن علي غيرَ حديثٍ، وعن عمر ومعاذ. والَّذي غرَّ أبا محمد أنَّ أبا داود١ قال: حدَّثنا محمد بن عيسى، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر. وظنَّ أبو محمد أنَّ عبد الرحمن لم يذكر عليًّا في الرِّواية، فرماه بالإرسال، وذلك من وهمه، فإنَّ ابن أبي ليلى روى القصَّة عن علي، فاختصر أبو داود ذِكرَ مكان الاحتجاج، وأحال على العلم المشهور برواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن علي. وهذه القصَّة قد رواها علي، وسمعها منه أصحابه: هانئ بن هانئ، وهُبيرة بن يَرِيم٢، وعُجَير بن عبد يزيد٣، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى٤، فذكر أبو داود أحاديث الثَّلاثة الأوَّلين لسياقهم لها بتمامها، وأشار إلى حديث ابن أبي ليلى لأنَّه لم يُتِمَّه، وذكر السَّند منه إليه، فبطل الإرسال.
ثمَّ رأيت أبا بكرٍ الإسماعيليَّ قد روى هذا الحديث في مسند عليٍّ٥ مصرِّحًا فيه بالاتِّصال، فقال: أخبرنا الهيثم بن خلفٍ، ثنا عثمان بن سعيد المقرئ، ثنا يوسف بن عديٍّ، ثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن علي أنَّه اختصم هو وجعفر وزيد، وذكر الحديث.
وأمَّا قوله: إنَّ أبا فروة ليس بالمعروف، فقد عرفه سفيان بن عيينة
(١) برقم (٢٢٧٩).
(٢) عنهما في «سنن أبي داود» (٢٢٨٠)، و«مسند أحمد» (٧٧٠).
(٣) «سنن أبي داود» (٢٢٧٨)، و«مسند البزار» (٨٩١).
(٤) «سنن أبي داود» (٢٢٧٩)، و«شرح مشكل الآثار» (٨/ ٩٢).
(٥) وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٨/ ٩٢) من طريق شيخه يحيى بن عثمان قال: حدثنا يوسف بن عدي به.