زاد المعاد

تقديرٍ، وظهر أنَّ هذا الحكم من رسول الله ﷺ من أحسن الأحكام وأوضحها، وأشدِّها موافقةً للمصلحة والحكمة والرَّحمة والعدل، وباللَّه التَّوفيق.

فهذه ثلاثة١ مدارِكَ في الحديث للفقهاء:

أحدها: أنَّ نكاح الحاضنة لا يُسقِط حضانتها، كما قاله الحسن البصريُّ، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو مذهب أبي محمد ابن حزم٢.

والثَّاني: أنَّ نكاحها لا يُسقِط حضانة البنت، ويُسقِط حضانة الابن، كما قاله أحمد في إحدى روايتيه.

والثَّالث: أنَّ نكاحها لقريب الطِّفل لا يُسقِط حضانتها، ونكاحها للأجنبيِّ يُسقِطها، كما هو المشهور من مذهب أحمد.

وفيه مدركٌ رابعٌ لمحمَّد بن جريرٍ الطَّبريِّ، وهو أنَّ الحاضنة إن كانت أمًّا والمنازع لها الأب سقطت حضانتها بالتَّزويج، وإن كانت خالةً أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتَّزويج، وكذلك إن كانت أمًّا والمنازع لها٣ غير الأب من أقارب الطِّفل لم تسقط حضانتها.

ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه، قال في «تهذيب الآثار»٤ بعد ذكر حديث ابنة حمزة: فيه الدَّلالة الواضحة على أنَّ قيِّم الصَّبيَّة الصَّغيرة والطِّفل

  1. (١) ص، ز: «ثلاث».
  2. (٢) في «المحلى» (١٠/ ٣٢٥).
  3. (٣) «لها» ليست في د.
  4. (٤) لم أجد هذا النص في الأجزاء المطبوعة منه.
72

الصَّغير من كان من قرابتهما من قِبَلِ أمَّهاتهما من النِّساء أحقُّ بحضانتهما من عصباتهما من قبل الأب، وإن كانت وكُنَّ ذواتِ أزواجٍ غير الأب الذي هما منه. وذلك أنَّ رسول الله ﷺ قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة، وقد تنازع فيها ابنا عمِّها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله ﷺ آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذٍ لها زوجٌ غير أبيها١، وذلك بعد مقتل حمزة، وكان معلومًا بذلك صحَّة قول من قال: لا حقَّ لعصبة الصَّغير والصَّغيرة من قِبَلِ الأب في حضانته ما لم يبلغ حدَّ الاختيار، بل قرابتهما من النِّساء من قِبَلِ أمِّهما أحقُّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ.

فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفتَ من أنَّ أمَّ الصَّغير والصَّغيرة وقرابتهما من النِّساء من قبل أمَّهاتهما أحقُّ بحضانتهما، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ من قرابتهما من قبل الأب من الرِّجال الذين هم عصبتهما، فهلَّا كانت الأمُّ ذات الزَّوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد، كما كانت الخالة أحقَّ بهما وإن كان لها زوجٌ غير أبيهما؟ وإلَّا فما الفرق؟

قيل: الفرق بينهما واضحٌ، وذلك لقيام الحجَّة بالنَّقل المستفيض وراثةً٢ عن النَّبيِّ ﷺ: أنَّ الأمَّ أحقُّ بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهما، ما لم تنكح زوجًا غيره، ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على الحجَّة فيما نعلمه. وقد رُوِي في ذلك خبرٌ، وإن كان في إسناده نظرٌ، فإنَّ النَّقل الذي وصفتُ أمرَه دالٌّ على صحَّته، وإن كان واهيَ السَّند.

  1. (١) في النسخ: «غير أمها»، خطأ. وسيأتي على الصواب.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «روايته».
73

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي