ثمَّ ساق حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي» من طريق المثنّى بن الصبَّاح عنه١.
ثمَّ قال: وأمَّا إذا نازعها فيه عصبةُ أبيه، فصحَّة الخبر عن النَّبيِّ ﷺ الذي ذكرنا أنَّه جعل الخالة ــ ذاتَ الزَّوج غيرِ أبي الصَّبيَّة ــ أحقَّ بها من بني عمِّها وهم عصبتها، فكانت الأمُّ أحقَّ بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوجٌ غيرُ أبيها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأمِّ، وإذا كان ذلك كالَّذي وصفنا تبيَّن أنَّ القول الذي قلناه في المسألتين أصلُ إحداهما من جهة النَّقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول. وإذا كان كذلك فغير جائزٍ ردُّ حكم إحداهما إلى حكم الأخرى، إذ القياس إنَّما يجوز استعماله فيما لا نصَّ فيه من الأحكام، فأمَّا ما فيه نصٌّ من كتاب الله أو خبرٌ عن رسول الله ﷺ فلا حظَّ٢ فيه للقياس.
فإن قال قائلٌ: زعمتَ أنَّك إنَّما أبطلتَ حقَّ الأمِّ من الحضانة إذا نكحتْ زوجًا غيرَ أبي الطِّفل، وجعلتَ الأب أولى بحضانتها منها بالنَّقل المستفيض، فكيف يكون ذلك كما قلت؟ وقد علمتَ أنَّ الحسن البصريَّ كان يقول: المرأة أحقُّ بولدها وإن تزوَّجت، وقضى بذلك يحيى بن حمزة.
قيل: إنَّ النَّقل المستفيض الذي تلزم به الحجَّة في الدِّين عندنا ليس صفته أن لا يكون له مخالفٌ، ولكنَّ صفته أن ينقله قولًا وعملًا من علماء
(١) أخرجه من طريق المثنى بن الصباح عبد الرزاق (١٢٥٩٦)، والدارقطني (٤/ ٤٦٨).
(٢) في جميع النسخ: «حض».
الأمَّة من١ ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ، وقد نقل مَن صفتُه ذلك من علماء الأمَّة أنَّ المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجًا غيرَه أنَّ الأب أولى بحضانة ابنها٢ منها، فكان ذلك حجَّةً لازمةً غير جائزٍ الاعتراضُ عليها بالرَّأي، وهو قولُ من يجوز عليه الغلط في قوله. انتهى كلامه٣.
ذِكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود
فأمَّا قوله: إنَّ فيه الدَّلالة على أنَّ قرابة الطِّفل من قبل أمَّهاته من النِّساء أحقُّ بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ، فلا دلالة فيه على ذلك البتَّةَ، بل أحد ألفاظ الحديث صريحٌ في خلافه، وهو قوله ﷺ: «وأمَّا الابنة فإنِّي أقضي بها لجعفر»٤. وأمَّا اللَّفظ الآخر: «فقضى بها لخالتها وقال: هي أمٌّ»٥ ــ وهو اللَّفظ الذي احتجَّ به أبو جعفر ــ فلا يدلُّ٦ على أنَّ قرابة الأمِّ مطلقًا أحقُّ من قرابة الأب، بل إقرار النَّبيِّ ﷺ عليًّا وجعفرًا على دعوى الحضانة يدلُّ على أنَّ لقرابة الأب مدخلًا فيها، وإنَّما قدَّم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة، فتقديمها على قرابة الأب كتقديم الأمِّ على الأب. والحديث ليس فيه لفظٌ عامٌّ يدلُّ على ما ادَّعاه من٧ أنَّ من كان من