زاد المعاد

الأمَّة من١ ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ، وقد نقل مَن صفتُه ذلك من علماء الأمَّة أنَّ المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجًا غيرَه أنَّ الأب أولى بحضانة ابنها٢ منها، فكان ذلك حجَّةً لازمةً غير جائزٍ الاعتراضُ عليها بالرَّأي، وهو قولُ من يجوز عليه الغلط في قوله. انتهى كلامه٣.

ذِكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود

فأمَّا قوله: إنَّ فيه الدَّلالة على أنَّ قرابة الطِّفل من قبل أمَّهاته من النِّساء أحقُّ بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ، فلا دلالة فيه على ذلك البتَّةَ، بل أحد ألفاظ الحديث صريحٌ في خلافه، وهو قوله ﷺ: «وأمَّا الابنة فإنِّي أقضي بها لجعفر»٤. وأمَّا اللَّفظ الآخر: «فقضى بها لخالتها وقال: هي أمٌّ»٥ ــ وهو اللَّفظ الذي احتجَّ به أبو جعفر ــ فلا يدلُّ٦ على أنَّ قرابة الأمِّ مطلقًا أحقُّ من قرابة الأب، بل إقرار النَّبيِّ ﷺ عليًّا وجعفرًا على دعوى الحضانة يدلُّ على أنَّ لقرابة الأب مدخلًا فيها، وإنَّما قدَّم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة، فتقديمها على قرابة الأب كتقديم الأمِّ على الأب. والحديث ليس فيه لفظٌ عامٌّ يدلُّ على ما ادَّعاه من٧ أنَّ من كان من

  1. (١) د، ص: «أن»، خطأ.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «ابنتها».
  3. (٣) أي كلام ابن جرير في «تهذيب الآثار».
  4. (٤) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٢٢٧٨).
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، وقد تقدم تخريجه (ص ٥).
  6. (٦) في المطبوع: «فلا دليل».
  7. (٧) في المطبوع: «لا من».
75

قرابة الأمِّ أحقُّ بالحضانة من العصبة من قبل الأب، حتَّى تكون بنت الأخت للأمِّ أحقَّ من العمِّ، وبنت الخالة أحقَّ من العمِّ والعمَّة، فأين في الحديث دلالةٌ على هذا فضلًا عن أن تكون واضحةً؟

قوله: وكان معلومًا بذلك صحَّة قول من قال: لا حقَّ لعصبة الصَّغير والصَّغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حدَّ الاختيار، يعني: فيُخيَّر بين قرابة أبيه وأمِّه. فيقال: ليس ذلك معلومًا من الحديث ولا مظنونًا، والحديث إنَّما دلَّ على أنَّ ابن العمِّ المزوَّج بالخالة أولى من ابن العمِّ الذي ليس تحته خالة الطِّفل، ويبقى تحقيق المناط: هل كانت جهة التَّعصيب مقتضيةً للحضانة١ فاستوت في شخصين، فرجِّح أحدهما بكون خالة الطِّفل عنده وهي من أهل الحضانة؟ كما فهمه طائفةٌ من الحديث، أو أنَّ قرابة الأمِّ ــ وهي الخالة ــ أولى بحضانة الطِّفل من عصبة الأب؟ ولم تسقط حضانتها بالتَّزويج: إمَّا لكون الزَّوج لا يُسقِط الحضانة مطلقًا كقول الحسن ومَن وافقه، وإمَّا لكون المحضونة بنتًا كما قاله أحمد في روايةٍ٢، وإمَّا لكون الزَّوج قرابةَ الطِّفل كالمشهور من مذهب أحمد، وإمَّا لكون الحاضنة غيرَ أمٍّ نازعَها الأب كما قاله أبو جعفر.

فهذه أربعة مداركَ، ولكنَّ المدرك الذي اختاره أبو جعفر ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ المعنى الذي أسقط حضانةَ الأمِّ بتزويجها هو بعينه موجودٌ في سائر نساء الحضانة، والخالة غايتها أن تقوم مقام الأمِّ، وتُشبَّه بها، فلا تكون أقوى منها،

  1. (١) د، ص، ز: «لحضانته».
  2. (٢) د، ص، ز: «روايته».
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي