وأنَّه لم يُقدِّرها، ولا ورد عنه ما يدلُّ على تقديرها، وإنَّما ردَّ الأزواج فيها إلى العرف.
ثبت عنه في «صحيح مسلم»١ أنَّه قال في خطبة حجَّة الوداع بمحضر الجمع العظيم قبل وفاته ببضعةٍ وثمانين يومًا: «واتُّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمة اللَّه، ولهنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروف».
وثبت عنه في «الصَّحيحين»٢ أنَّ هندًا امرأة أبي سفيان قالت له: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، ليس يعطيني من النَّفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال: «خُذِي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف».
وفي «سنن أبي داود»٣ من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، ما تقول في نسائنا؟ قال: «أَطعِموهنَّ ممَّا تأكلون، واكْسُوهنَّ ممَّا تلبسون، ولا تضربوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ».
وهذا الحكم من النبي ﷺ مطابقٌ لكتاب الله ﷿، حيث يقول تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: ٢٣٣]. والنَّبيُّ ﷺ جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسوَّى بينهما في عدم التَّقدير، وردَّهما إلى العُرف
(١) برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.
(٢) البخاري (٥٣٦٤) ومسلم (١٧١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) برقم (٢١٤٤). وإسناده صحيح.
فقال: «للمملوك طعامُه وكسوتُه بالمعروف»١، فجعل نفقتهما بالمعروف، ولا ريبَ أنَّ نفقة الخادم غير مقدَّرةٍ، ولم يقل أحدٌ بتقديرها.
وصحَّ عنه في الرَّقيق أنَّه قال: «أَطعِموهم ممَّا تأكلون، وأَلبِسوهم ممَّا تلبسون»، رواه مسلم٢، كما قال في الزَّوجة سواءٌ.
وصحَّ عن أبي هريرة أنَّه قال: امرأتك تقول: إمَّا أن تُطعِمني وإمَّا أن تُطلِّقني، ويقول العبد: أَطعِمْني واستعمِلْني. ويقول الابن: أَطعِمْني، إلى من تَدَعُني؟٣. فجعل نفقة الزَّوجة والرَّقيق والولد كلَّها الإطعامَ لا التَّمليكَ.
وروى النَّسائيُّ٤ هذا مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ كما سيأتي.
وقال تعالى: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ﴾[المائدة: ٨٩]، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: الخبز والزَّيت٥. وصحَّ عن عمر بن الخطاب٦: الخبز والسَّمن، والخبز والتَّمر، ومن أفضل ما تطعمون٧ الخبز واللَّحم٨.
(١) أخرجه مسلم (١٦٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) برقم (١٦٦١) من حديث أبي ذر ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٥٥).
(٤) سيأتي تخريجه (ص ١٠٦).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ١١٩٣).
(٦) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «ابن عمر»، وهو إصلاح من الناشر أو القارئ.
(٧) ص، ز: «تطعموهن».
(٨) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٨/ ٦٢٥) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ١١٩٣) عن ابن عمر. ولم أجده عن عمر ﵄.