زاد المعاد

صحابيٍّ البتَّة تقديرُ طعام الزَّوجة مع عموم هذه الواقعة في كلِّ وقتٍ.

قالوا: فأمَّا الفروق الَّتي ذكرتموها فليس فيها ما يستلزم تقديرَ طعام الكفَّارة، وحاصلها خمسة فروقٍ: أنَّها لا تختلف باليسار والإعسار، وأنَّها لا تتقدَّر بالكفاية، ولا أوجبها الشَّارع بالمعروف، ولا يجوز إخراج العوض عنها، وهي حقٌّ لله لا تَسقُط بالإسقاط بخلاف نفقة الزَّوجة.

فيقال: نعم لا شكَّ في صحَّة هذه الفروق، ولكن من أين يستلزم وجوبَ تقديرها بمدٍّ ومدَّين؟ بل هي إطعامٌ واجبٌ من جنس ما يطعم أهله، ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدلُّ على تقديرها بوجهٍ.

وأمَّا ما ذكرتم عن الصَّحابة من تقديرها، فجوابه من وجهين:

أحدهما: أنَّا قد ذكرنا عن جماعةٍ ــ منهم علي وأنس١ وأبو موسى وابن مسعودٍ ــ أنَّهم قالوا: يُجزِئ أن يُغدِّيهم ويُعشِّيهم.

الثَّاني: أنَّ من رُوِي عنهم المدُّ والمدَّان لم يذكروا ذلك تقديرًا وتحديدًا، بل تمثيلًا، فإنَّ منهم من رُوي عنه المدُّ، ورُوي عنه مدَّان، وروي عنه مَكُّوكٌ، وروي عنه جواز التَّغدية أو التَّعشية، وروي عنه أَكْلةٌ، وروي عنه رغيفٌ أو رغيفين٢، فإن كان هذا اختلافًا فلا حجَّة فيه، وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف والمكفِّر فظاهرٌ، وإن كان ذلك على سبيل التَّمثيل فكذلك. فعلى كلِّ تقديرٍ لا حجَّة فيه على التَّقديرين.

  1. (١) «وأنس» ليس في ز.
  2. (٢) كذا في النسخ منصوبًا.
93

قالوا: وأمَّا الإطعام في فدية الأذى فليس من هذا الباب؛ فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والله سبحانه أطلق هذه الثَّلاثة ولم يُقيِّدها. وصحَّ١ عن النَّبيِّ ﷺ تقييد الصِّيام بثلاثة أيَّامٍ، وتقييد النُّسك بذبح شاةٍ، وتقييد الإطعام بستَّة مساكين لكلِّ مسكينٍ نصف صاعٍ٢، ولم يقل سبحانه في فدية الأذى: فإطعام ستَّة مساكين، ولكن أوجب صدقةً مطلقةً وصومًا مطلقًا ودمًا مطلقًا٣، فعيَّنه النَّبيُّ ﷺ بالفَرق والثَّلاثة الأيَّام والشَّاة.

وأمَّا جزاء الصَّيد فإنَّه من غير هذا الباب، فإنَّ المُخرِج إنَّما يُخرِج قيمة الصَّيد من الطَّعام، وهي تختلف بالقلَّة والكثرة، فإنَّها بدلُ مُتْلَفٍ، ولا يُنظَر فيها إلى عدد المساكين، وإنَّما يُنظَر فيها إلى مبلغ الطَّعام، فيُطعِمه المساكينَ على ما يرى من إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعضٍ، فتقدير الطَّعام فيها على حسب المُتْلَف، وهو يقلُّ ويكثر، وليس ما يُعطاه كلُّ مسكينٍ مقدَّرًا.

ثمَّ إنَّ التَّقدير بالحبِّ يستلزم أمرًا باطلًا بيِّنَ البطلان، فإنَّه إذا كان الواجب لها عليه شرعًا الحبَّ، وأكثر النَّاس إنَّما يُطعِم أهلَه الخبز، فإن جعلتم هذا معاوضةً كان ربًا ظاهرًا، وإن لم تجعلوه معاوضةً فالحبُّ ثابتٌ لها في ذمَّته، ولم تَعْتَضْ عنه، فلا تبرأ ذمَّته منه إلا بإسقاطها وإبرائها، فإذا

  1. (١) «وصح» ليست في ح.
  2. (٢) كما في حديث كعب بن عجرة الذي أخرجه البخاري (١٨١٦، ٤٥١٧)، وقد تقدم (ص ٩٠).
  3. (٣) «ودمًا مطلقًا» ليست في ز.
94

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي