زاد المعاد

والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزَّوجات والرَّقيق بالمعروف، وليس من المعروف فرضُ الدَّراهم، بل المعروف الذي نصَّ عليه صاحب الشَّرع أن يُطعِمهم ممَّا يأكل ويكسوهم ممَّا يلبس، ليس المعروف سوى هذا. وفرضُ الدَّراهم على المنفق من المنكر.

وليست الدَّراهم من الواجب ولا عوضِه، ولا يصحُّ الاعتياض عمَّا لم يستقرَّ ولم يملك، فإنَّ نفقة الأقارب والزَّوجات تجب يومًا فيومًا، ولو كانت مستقرَّةً لم تصحَّ المعاوضة عنها بغير رضى الزَّوج والقريب، فإنَّ الدَّراهم تُجعل عوضًا عن الواجب الأصليِّ، وهو إمَّا البُرُّ عند الشَّافعيِّ، أو الطَّعام المعتاد عند الجمهور، فكيف يُجبَر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غيرِ رضاه ولا إجبارِ صاحبِ الشَّرع له على ذلك؟ فهذا مخالفٌ لقواعد الشَّرع ونصوص الأئمَّة ومصالح العباد، ولكن إن اتَّفق المُنفِق والمُنفَق عليه على ذلك جاز باتِّفاقهما.

هذا مع أنَّه في جواز اعتياض الزَّوجة عن١ النَّفقة الواجبة لها نزاعٌ معروفٌ في مذهب الشَّافعيِّ وغيره، فقيل: لا تعتاض؛ لأنَّ نفقتها طعامٌ ثبت في الذِّمَّة عوضًا، فلا تعتاض عنه قبل القبض كالمُسلَم فيه، وعلى هذا فلا يجوز الاعتياض لا بدراهم ولا ثيابٍ ولا شيءٍ البتَّةَ. وقيل: تعتاض بغير الخبز والدَّقيق؛ فإنَّ الاعتياض بهما ربًا، هذا إذا كان الاعتياض عن الماضي، فإن كان عن المستقبل لم يصحَّ عندهم وجهًا واحدًا؛ لأنَّها بصدد السُّقوط، فلا يُعلَم استقرارها.

  1. (١) د، ص، ز: «على».
105

ذِكر ما رُوي من حكم رسول الله ﷺ في

تمكين المرأة من فراقِ زوجها إذا أعسَرَ بنفقتها

روى البخاريُّ في «صحيحه»١ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصَّدقة ما تَركَ غِنًى ــ وفي لفظٍ: ما كان عن ظَهْرِ غِنًى ــ واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، وابدَأْ بمن تَعُول». تقول المرأة: إمَّا أن تُطعِمني وإمَّا أن تُطلِّقني، ويقول العبد: أَطعِمْني واستعمِلْني، ويقول الولد: أَطعِمْني، إلى مَن تَدَعُني؟ قالوا: يا أبا هريرة، سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.

وذكر النَّسائيُّ هذا الحديث في كتابه٢ وقال فيه: «وابدَأْ بمن تَعُول»، فقيل: من أعول يا رسول اللَّه؟ قال: «امرأتك تقول: أطعِمْني وإلَّا فارِقْني، خادمك يقول: أطعِمْني واستعمِلْني، ولدُك يقول٣: إلى من تتركني؟». وهذا في جميع نسخ كتاب النَّسائيِّ هكذا، وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب عن محمَّد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة،

  1. (١) برقم (٥٣٥٥، ٥٣٥٦).
  2. (٢) «السنن الكبرى» (٩١٦٧). وأخرجه أحمد (١٠٨١٨)، وابن حبان (٣٣٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٧٧٤)، والمحفوظ أن هذه الزيادة من كلام أبي هريرة ﵁، كما أخرجه البخاري في «الصحيح» (٥٣٥٥). قال البيهقي عقب تخريجه: «رواه ابن عيينة وغيره عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ وجعل آخره من قول أبي هريرة، وكذلك جعله الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة». ووهَّمَ الحافظ من رجَّحَ الرفع في «فتح الباري» (٩/ ٥٠١).
  3. (٣) بعدها في المطبوع: «أطعمني» وليست في النسخ.
106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي