زاد المعاد

فإن راجعها طلَّق عليه ثالثةً.

والثَّاني: أنَّه فسخٌ، فلا بدَّ من الرَّفع إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثمَّ تفسخ هي، وإن اختارت المقام ثمَّ أرادت الفسخ ملكَتْه؛ لأنَّ النَّفقة يتجدَّد وجوبها كلَّ يومٍ. وهل تَملِك الفسخَ في الحال أو لا تملكه إلا بعد مضيِّ ثلاثة أيَّامٍ؟ فيه قولان، الصَّحيح عندهم الثَّاني.

قالوا: فلو وجد في اليوم الثَّالث نفقتها وتعذَّرتْ عليه نفقة اليوم الرَّابع، فهل يجب استئناف هذا الإمهال؟ فيه وجهان. وقال حمَّاد بن أبي سليمان: يُؤجَّل سنةً ثمَّ يفسخ قياسًا على العنِّين. وقال عمر بن عبد العزيز: يُضرَب له شهرٌ أو شهران. وقال مالك: الشَّهر ونحوه١.

وعن أحمد روايتان، إحداهما وهي ظاهر مذهبه: أنَّ المرأة تُخيَّر بين المقام معه وبين الفسخ، فإن اختارت الفسخ رفعتْه إلى الحاكم، فيخيَّر الحاكم بين أن يفسخ عليه أو يُجبِره على الطَّلاق أو يأذن لها في الفسخ، فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخٌ لا طلاقٌ، ولا رجعة له وإن أيسرَ في العدَّة. وإن أجبره على الطَّلاق٢ فطلَّق رجعيًّا فله رجعتُها، فإن راجعَها وهو مُعسِرٌ أو امتنع من الإنفاق عليها فطلبت الفسخَ فسخ عليه ثانيًا وثالثًا، وإن رضيتْ بالمقام معه مع عُسْرته ثمَّ بدا لها الفسخُ، أو تزوَّجته عالمةً بعُسْرتِه ثمَّ اختارت الفسخ، فلها ذلك.

قال القاضي٣: وظاهر كلام أحمد أنَّه ليس لها الفسخ في الموضعين

  1. (١) انظر هذه الأقوال في «المغني» (١١/ ٣٦٢).
  2. (٢) د، ص: «على ذلك الطلاق».
  3. (٣) كما في «المغني» (١١/ ٣٦٦).
109

ويَبطُل خيارها، وهو قول مالك، لأنَّها رضيتْ بعيبه ودخلتْ في العقد عالمةً به، فلم تملك الفسخ، كما لو تزوَّجت عنِّينًا عالمةً بِعُنَّته، أو قالت بعد العقد: قد رضيتُ به عنِّينًا.

وهذا الذي قاله القاضي: هو مقتضى المذهب والحجَّة.

والَّذين قالوا: لها الفسخ ــ وإن رضيتْ بالمقام ــ قالوا: حقُّها متجدِّدٌ كلَّ يومٍ، فيتجدَّد لها الفسخ بتجدُّد حقِّها. قالوا: ولأنَّ رضاها يتضمَّن إسقاط حقِّها فيما لم يجب فيه من الزَّمان، فلم يسقط كإسقاط الشُّفعة قبل البيع. قالوا: وكذلك لو أسقطت النَّفقة المستقبلة لم تسقط، وكذلك لو أسقطتْها قبل العقد جملةً ورضيتْ بلا نفقةٍ، وكذلك لو أسقطت المهرَ قبله لم يسقط، وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقُط الفسخُ الثَّابت به.

والَّذين قالوا بالسُّقوط أجابوا عن ذلك بأنَّ حقَّها من الجماع يتجدَّد، ومع هذا إذا أسقطت حقَّها من الفسخ بالعُنَّة سقطَ، ولم تملك الرُّجوع فيه.

قالوا: وقياسكم ذلك على إسقاط نفقتها قياسٌ على أصلٍ غير متَّفقٍ عليه ولا ثابتٍ بالدَّليل، بل الدَّليل يدلُّ على سقوط الشُّفعة بإسقاطها قبل البيع، كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَحِلُّ له أن يبيعَ حتَّى يُؤذِنَ شريكَه، فإن باعَه ولم يُؤذِنْه فهو أحقُّ بالبيع»١. وهذا صريحٌ في أنَّه إذا أسقطها قبل البيع لم يملك طَلَبَها بعده، وحينئذٍ فنجعل هذا أصلًا لسقوط حقِّها من النَّفقة بالإسقاط، ونقول: خيارٌ٢ لدفع الضَّرر، فسقط بإسقاطه قبل ثبوته كالشُّفعة.

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٢١٤)، ومسلم (١٦٠٨) من حديث جابر ﵁، وهذا لفظ مسلم.
  2. (٢) د: «خيارًا».
110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي