ثمَّ ينتقض هذا بالعيب في العين المُؤْجَرة، فإنَّ المستأجر إذا دخل عليه أو علم به ثمَّ اختار ترك الفسخ لم يكن له الفسخُ بعد هذا، وتجدُّد حقِّه من الانتفاع كلَّ وقتٍ كتجدُّد حقِّ المرأة من النَّفقة سواءٌ، ولا فرق بينهما١.
وأمَّا قوله: لو أسقطتْها قبل النِّكاح أو أسقطت المهر قبله لم يسقط، فليس إسقاط الحقِّ٢ قبل انعقاد سببه بالكلِّيَّة كإسقاطه بعد انعقاد سببه. هذا إن كان في المسألة إجماعٌ، وإن كان فيها خلافٌ فلا فرقَ بين الإسقاطين وسوَّينا بين الحكمين، وإن كان بينهما فرقٌ امتنع القياس.
وعنه روايةٌ أخرى: ليس لها الفسخ، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. وعلى هذا لا يلزمها تمكينُه من الاستمتاع؛ لأنَّه لم يُسلِّم إليها عوضَه فلم يلزمها تسليمه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه، وعليه تخليةُ سبيلها لتكتسب لها وتُحصِّل ما تنفقه على نفسها؛ لأنَّ في حبسها بغير نفقةٍ إضرارًا بها.
فإن قيل: فلو كانت مُوسِرةً، فهَلْ٣ يملك حبسها؟
قيل: قد قالوا أيضًا: لا يملك حبسها؛ لأنَّه إنَّما يملكه إذا كفاها المُؤْنةَ وأغناها عمَّا لا بدَّ لها منه من النَّفقة والكسوة، ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها، فإذا انتفى هذا وهذا لم يملك حبْسَها، وهذا قول جماعةٍ من السَّلف والخلف.
(١) «بينهما» ليست في المطبوع.
(٢) «الحق» ليست في د.
(٣) في المطبوع: «فهلّا» خلاف النسخ.
ذكر عبد الرزاق١ عن ابن جريجٍ قال: سألت عطاء عمَّن لا يجد ما يصلح امرأته من النَّفقة، قال: ليس لها إلا ما وجدتْ٢، ليس لها أن يطلِّقها.
وروى حمَّاد بن سلمة عن جماعةٍ عن الحسن البصريِّ أنَّه قال في الرَّجل يَعجِز عن [نفقة]٣ امرأته: قال: تُواسِيه وتتَّقي الله وتصبر، وينفق عليها ما استطاع٤.
وذكر عبد الرزاق٥ عن معمر قال: سألت الزُّهريَّ عن رجلٍ لا يجد ما ينفق على امرأته، أيُفرَّق بينهما؟ قال: يُستَأْنَى٦ به ولا يُفرَّق بينهما، وتلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ﴾[الطلاق: ٧]. قال معمر: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثلُ قول الزُّهريِّ سواءً.
وذكر عبد الرزاق٧ عن سفيان الثَّوريِّ في المرأة يُعسِرُ زوجها بنفقتها: قال: هي امرأةٌ ابتُلِيتْ، فلْتصبِرْ، ولا تأخُذْ بقول من فرَّق بينهما.
قلت: عن عمر بن عبد العزيز ثلاث رواياتٍ، هذه إحداها.