زاد المعاد

وكسوتهنّ١، فالمرأة إنَّما تدخل اليوم على رجاء الدُّنيا، فصار هذا العرف٢ كالمشروط في العقد، وكان عرف الصَّحابة ونسائهم كالمشروط في العقد، والشَّرط العرفيُّ في أصل مذهبه كاللَّفظيِّ، وإنَّما أَنكر على مالك كلامَه هذا من لم يفهمه ويفهم غَوْرَه.

وفي المسألة مذهبٌ آخر، وهو: أنَّ الزَّوج إذا أعسرَ بالنَّفقة حُبِس حتَّى يجدَ ما ينفقه. وهذا المذهب٣ حكاه النَّاس ــ ابنُ حزمٍ٤ وصاحبُ «المغني» وغيرُهما ــ عن عبيد الله بن الحسن العَنْبري قاضي البصرة٥. وياللَّه العجب! لأيِّ شيءٍ يُسجَن ويُجمَع عليه بين عذاب السِّجن وعذاب الفقر وعذاب البعد عن أهله؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ، وما أظنُّ من شَمَّ رائحة العلم يقول هذا.

وفي المسألة مذهبٌ آخر، وهو: أنَّ المرأة تُكلَّف الإنفاقَ٦ إذا كان عاجزًا عن نفقة نفسه. وهذا مذهب أبي محمد ابن حزم، وهو خيرٌ بلا شكَّ من مذهب العنبري. قال في «المحلَّى»٧: فإن عجز الزَّوج عن نفقة نفسه، وامرأتُه غنيَّةٌ، كُلِّفتِ النَّفقةَ عليه، لا تَرجِع بشيء من ذلك إن أيسرَ. برهانُ

  1. (١) في المطبوع: «ونفقتهم وكسوتهم» خلاف النسخ.
  2. (٢) في المطبوع: «المعروف».
  3. (٣) م: «مذهب».
  4. (٤) في المطبوع: «عن ابن حزم»، خطأ. فابن حزم ردَّ عليه واستغربه.
  5. (٥) انظر: «المحلى» (١٠/ ٩٣) و«المغني» (١١/ ٣٦١).
  6. (٦) بعدها في المطبوع: «عليها» ليست في النسخ.
  7. (٧) (١٠/ ٩٢).
114

ذلك قول الله ﷿: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا١ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والزوجة وارثةٌ، فعليها النَّفقةُ بنصِّ القرآن.

ويا عجبًا لأبي محمد! لو تأمَّل سياقَ الآية لتبيَّن له منها خلافُ ما فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهذا ضمير الزَّوجات بلا شكٍّ، ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فجعل سبحانه على وارثِ المولود له، أو وارثِ الولد مِنْ رزقِ الوالدات وكسوتهنَّ بالمعروف مثلَ ما على الموروث، فأين في الآية نفقةٌ على غير الزَّوجات حتَّى يُحمَل عمومُها لما ذهب إليه؟

واحتجَّ من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. قالوا: وإذا لم يكلِّفه الله النَّفقةَ في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه، ولم يأثم بتركه، فلا يكون سببًا للتَّفريق بينه وبين حبِّه وسَكَنِه وتعذيبِه بذلك.

قالوا: وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ من حديث أبي الزبير عن جابر قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله ﷺ، فوجداه جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، لو رأيتَ بنتَ خارجة سألتْني النَّفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقَها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عنقها، وقام عمر إلى

  1. (١) «لا تكلف نفس إلا وسعها» ليست في النسخ.
  2. (٢) برقم (١٤٧٨).
115

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي