ويا عجبًا لأبي محمد! لو تأمَّل سياقَ الآية لتبيَّن له منها خلافُ ما فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهذا ضمير الزَّوجات بلا شكٍّ، ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فجعل سبحانه على وارثِ المولود له، أو وارثِ الولد مِنْ رزقِ الوالدات وكسوتهنَّ بالمعروف مثلَ ما على الموروث، فأين في الآية نفقةٌ على غير الزَّوجات حتَّى يُحمَل عمومُها لما ذهب إليه؟
واحتجَّ من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾[الطلاق: ٧]. قالوا: وإذا لم يكلِّفه الله النَّفقةَ في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه، ولم يأثم بتركه، فلا يكون سببًا للتَّفريق بينه وبين حبِّه وسَكَنِه وتعذيبِه بذلك.
قالوا: وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ من حديث أبي الزبير عن جابر قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله ﷺ، فوجداه جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، لو رأيتَ بنتَ خارجة سألتْني النَّفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقَها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عنقها، وقام عمر إلى
(١) «لا تكلف نفس إلا وسعها» ليست في النسخ.
(٢) برقم (١٤٧٨).
حفصة يجأ عنقها١، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ما ليس عنده، ثمَّ اعتزلهنَّ رسول الله ﷺ شهرًا. وذكر الحديث.
قالوا: فهذا أبو بكر وعمر يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألاه نفقةً لا يجدها، ومن المحال أن يضربا طالبتينِ للحقِّ ويُقِرَّهما رسول الله ﷺ على ذلك، فدلَّ على أنَّه لا حقَّ لهما فيما طلبَتَاه من النَّفقة في حال الإعسار، وإذا كان طلبهما لها٢ باطلًا فكيف تُمكَّن المرأةُ من فسخ النِّكاح بعدمِ ما ليس لها طلبُه ولا يحلُّ لها، وقد أمر الله سبحانه صاحبَ الدَّين أن يُنظِر المعسرَ إلى الميسرة، وغاية النَّفقة أن يكون دَينًا، فالمرأة مأمورةٌ بإنظار الزَّوج إلى الميسرة٣ بنصِّ القرآن. هذا إن قيل: تثبت في ذمَّة الزَّوج، وإن قيل: تسقط بمضيِّ الزَّمان فالفسخ أبعدُ وأبعدُ.
قالوا: فاللَّه ﷾ أوجبَ على صاحب الحقِّ الصَّبر على المُعسِر، ونَدَبَه إلى الصَّدقة بترك حقِّه، وما عدا هذين الأمرين فَجَورٌ لم يُبِحه له، ونحن نقول لهذه المرأة كما قال الله تعالى لها سواءً بسواءٍ: إمَّا أن تُنظِريه إلى الميسرة وإمَّا أن تَصَّدَّقي، ولا حقَّ لكِ فيما عدا هذين الأمرين.
قالوا: ولم يزل في الصَّحابة المعسرُ والموسرُ، وكان مُعسِروهم أضعافَ أضعافِ موسريهم، فما مكَّن النَّبيُّ ﷺ قطُّ امرأةً واحدةً من الفسخ بإعسار زوجها، ولا أعلَمَها أنَّ الفسخ حقٌّ لها، فإن شاءت صبرت وإن شاءت