تقدَّم١ حديث «مسلم» أنَّ الشَّعبيَّ حدَّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفًّا من حَصًى٢ فحَصَبَه به، وقال: ويلك. تُحدِّث بمثل هذا؟
وقال النَّسائيُّ٣: ويلك! لِمَ تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئتِ بشاهدين يشهدان أنَّهما سمعاه من رسول الله ﷺ، وإلَّا لم نترك كتاب ربِّنا لقول امرأةٍ.
ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن
قال الليث: حدَّثني عقيل، عن ابن شهابٍ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فذكر حديث فاطمة ثمَّ قال: فأنكر النَّاس عليها ما كانت تُحدِّث من خروجها قبل أن تحلَّ٤.
قالوا: وقد عارض روايةَ فاطمة صريحُ رواية عمر في إيجاب النَّفقة
(١) ص (١٢٧).
(٢) في المطبوع: «حصباء» خلاف النسخ ومصدر التخريج.
(٣) برقم (٣٥٤٩). وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (٤٦٣١).
(٤) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٥ - ٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٧٢)، وأبو نعيم في «مستخرجه على صحيح مسلم» (٣٤٩٧)، (٣٤٩٨)، وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٩٩) من طرق عن الليث به.
والسُّكنى، فروى حمَّاد بن سلمة عن حمَّاد بن أبي سليمان١ أنَّه أخبر إبراهيم النَّخعيَّ بحديث الشَّعبيِّ عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إنَّ عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آيةٍ من كتاب الله وقولِ النَّبيِّ ﷺ لقول امرأةٍ لعلَّها أوهمت، سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «لها السُّكنى والنَّفقة». ذكره أبو محمد في «المحلَّى»٢، فهذا نصٌّ صريحٌ يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة راويه٣، وتركِ إنكار الصَّحابة عليه، وموافقتِه لكتاب اللَّه.
ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها
وحاصلها أربعةٌ.
أحدها: أنَّ راويتها امرأةٌ لم تأتِ بشاهدين يُتابِعانها على حديثها.
الثَّاني: أنَّ روايتها تضمَّنت مخالفة القرآن.
الثَّالث: أنَّ خروجها من المنزل لم يكن لأنَّه لا حقَّ لها في السُّكنى، بل لأذاها أهلَ زوجها بلسانها.
الرَّابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب.
ونحن نُبيِّن ما في كلِّ واحدٍ من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوَّته، هذا مع أنَّ في بعضها من الانقطاع وفي بعضها من الضَّعف وفي بعضها من البطلان ما سنُنبِّه عليه، وبعضها صحيحٌ عمَّن نُسِب إليه بلا شكٍّ.
(١) د، ص: «بن أبي سلمة»، تحريف.
(٢) (١٠/ ٢٩٨، ٢٩٩)، وأعله بالانقطاع بين إبراهيم وعمر.
(٣) في المطبوع: «رواته» خلاف النسخ. والمقصود به هنا عمر ﵁.