فإن كان جواز النِّسيان على الرَّاوي يوجب سقوطَ روايته سقطتْ رواية عمر الَّتي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوطَ روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلةٌ على التَّقديرين، ولو رُدَّت السُّنن بمثل هذا لم يبقَ بأيدي الأمَّة منها إلا اليسير.
ثمَّ كيف يعارِض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا مَن يرى قبول خبر الواحد العدل ولا يشترط للرِّواية نصابًا؟ وعمر ﵁ أصابه في هذا مثلُ ما أصابه في ردِّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتَّى٢ شهد له أبو سعيد٣، وردِّ خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتَّى شهد له محمد بن مَسْلمة٤. وهذا كان تثبُّتًا٥ منه ﵁ حتَّى لا يركب النَّاس الصَّعب والذَّلولَ في الرِّواية عن رسول الله ﷺ، وإلَّا فقد قَبِلَ خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابيٌّ٦، وقَبِلَ لعائشة عدَّة أخبارٍ تفرَّدت بها.
(١) أخرجه البخاري (٣٦٦٧، ٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) د، ص، ح: «حين».
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٢) ومسلم (٢١٥٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٩٠٥، ٦٩٠٦) ومسلم (١٦٨٩) من حديث المسور بن مخرمة.
(٥) في المطبوع: «تثبيتا» خلاف النسخ.
(٦) أخرجه أحمد (١٥٧٤٥)، وأبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (١٤١٥، ٢١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٨)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
وبالجملة فلا يقول أحدٌ: إنَّه لا يُقبل قول الرَّاوي الثِّقة العدل حتَّى يشهد له شاهدان، لا سيَّما إن كان من الصَّحابة.
أمَّا المجمل فنقول: لو كانت مخالِفةً كما ذكرتم لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامِّ، فحكمها حكم تخصيصِ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: ١١] بالكافر والرَّقيق والقاتل، وتخصيصِ قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾[النساء: ٢٤] بتحريم١ الجمع بين المرأة وعمَّتها وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإنَّ القرآن لم يَخُصَّ البائنَ بأنَّها لا تُخرَج ولا تَخْرج وبأنَّها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إمَّا أن يَعُمَّها ويَعُمَّ الرَّجعيَّة وإمَّا أن يخصَّ الرَّجعيَّة. فإن عمَّ النَّوعين فالحديث مخصِّصٌ لعمومه، وإن خصَّ الرَّجعيَّاتِ ــ وهو الصَّواب، للسِّياق الذي مَن تدبَّره وتأمَّله قطع بأنَّه في الرَّجعيَّات، من عدَّة أوجهٍ قد أشرنا إليها ــ فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين ﵁ ذلك٢ لكان أوَّل راجعٍ إليه، فإنَّ الرَّجل كما يَذْهَل عن النَّصِّ يَذْهَل عن دلالته وسياقه وما يقترن به ممَّا يُبيِّن المرادَ منه، وكثيرًا ما يَذْهَل عن دخول الواقعة المعيَّنة تحت النَّصِّ العامِّ واندراجِه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتَّفطُّنُ له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من