زاد المعاد

عباده. ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من ذلك بالمنزلة الَّتي لا تُجهَل، ولا يَستَوفيها١ عبارةٌ، غير أنَّ النِّسيان والذُّهول عُرضَةُ الإنسان٢، وإنَّما الفاضل العالم من إذا ذُكِّر ذَكر ورجع.

فحديث فاطمة مع كتاب الله على ثلاثة أطباقٍ لا يخرج عن واحدٍ منها: إمَّا أن يكون تخصيصًا لعامِّه. الثَّاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثَّالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أَرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه، وهذا هو الصَّواب، فهو إذن موافقٌ له لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ الله أن يحكم رسول الله ﷺ بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه.

وقد أنكر الإمام أحمد هذا من قول عمر، وجعل يتبسَّم ويقول: وأين في كتاب الله إيجاب النَّفقة والسُّكنى للمطلَّقة ثلاثًا٣؟ وأنكرتْه قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب اللَّه٤، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، فأيُّ أمرٍ يحدُث بعد الثَّلاث؟ وقد تقدَّم أنَّ قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] يشهد بأنَّ الآيات كلَّها في الرَّجعيَّات.

  1. (١) في المطبوع: «ولا تستغرقها». د: «يستغرها». ح وهامش م: «يشعر فيها». والمثبت من م.
  2. (٢) في المطبوع: «عرضة للإنسان» خلاف النسخ.
  3. (٣) ينظر: «الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم (٦/ ٩).
  4. (٤) تقدم تخريجه.
138

فصل

وأمَّا المطعن الثَّالث: وهو أنَّ خروجها لم يكن إلا لفُحْشٍ في لسانها، فما أبردَه من تأويلٍ وأسْمَجَه! فإنَّ المرأة من خيار الصَّحابة وفُضَلائهم، ومن المهاجرات الأُول، وممَّن لا يَحملها رقَّةُ الدِّين وقلَّة التَّقوى على فحشٍ يوجب إخراجها من دارها، وأن تُمنَع حقَّها الذي جعله الله لها ونهى عن إضاعته. ويا عجبًا! كيف لم ينكر عليها النَّبيُّ ﷺ هذا الفحش، ويقول لها: اتَّقي١ الله وكُفِّي لسانك عن أذى أهل زوجك واستقرِّي في مسكنك؟ وكيف يَعدِلُ عن هذا إلى قوله: «لا سكنى لك ولا نفقة» وإلى قوله: «إنَّما النَّفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعةٌ»؟ فيا عجبًا! كيف يُترَك هذا المانع الصَّريح الذي خرج من بين شَفَتَي النَّبيِّ ﷺ ويُعلَّل بأمرٍ موهومٍ لم يُعلِّل به رسول الله ﷺ البتَّةَ، ولا أشار إليه ولا نبَّه عليه؟ هذا من المحال البيِّن. ثمَّ لو كانت فاحشة اللِّسان ــ وقد أعاذها الله من ذلك ــ لقال لها النَّبيُّ ﷺ وسمعت وأطاعت: كُفِّي لسانَكِ حتَّى تنقضي عدَّتك، وكان مَن دونها يسمع ويطيع، لئلَّا تخرج٢ من سكنه.

فصل

وأمَّا المطعن الرَّابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر، فهذه المعارضة تُورَد من وجهين، أحدهما قوله: «لا نَدَعُ كتابَ ربِّنا وسنَّة نبيِّنا»، وأنَّ هذا من حكم المرفوع. والثَّاني قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السُّكنى

  1. (١) في النسخ: «اتق».
  2. (٢) ص، د، ح: «يخرج».
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي