إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إنِّي أرى في وجه [أبي] حذيفة١ من دخول سالم وهو حَليفُه، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أرضِعِيه تَحْرُمِينَ٢ عليه».
وفي روايةٍ له٣ عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إنِّي أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَرضِعيه»، قالت: وكيف أُرضِعه وهو رجلٌ كبيرٌ؟ فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: «قد علمتُ أنَّه كبيرٌ».
وفي لفظٍ لمسلم٤: أنَّ أم سلمة قالت لعائشة: إنَّه يدخل عليكِ الغلام الأيفع الذي ما أُحِبُّ أن يدخل عليَّ، فقالت عائشة: أما لكِ في رسول الله ﷺ أسوةٌ؟ إنَّ امرأة [أبي] حذيفة قالت: يا رسول اللَّه، إنَّ سالمًا يدخل عليَّ وهو رجلٌ، وفي نفس أبي حذيفة منه شيءٌ، فقال رسول الله ﷺ: «أَرضِعيه حتَّى يدخلَ عليك».
وساقه أبو داود في «سننه»٥ سياقةً تامَّةً مطوَّلةً، فرواه من حديث الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة وأم سلمة: أنَّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمسٍ كان تبنَّى سالمًا، وأنكحَه ابنةَ أخيه هند بنت الوليد بن عتبة وهو مولًى لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنَّى رسول الله ﷺ زيدًا٦، وكان من تبنَّى رجلًا في الجاهليَّة دعاه
(١) ما بين المعكوفتين من «صحيح مسلم». وأبو حذيفة زوجها.
(٢) كذا في النسخ. وفي مسلم: «تَحرُمي» مجزومة لكونها جواب الأمر.
(٣) برقم (١٤٥٣/ ٢٦). و«له» ليست في د، ص.
(٤) برقم (١٤٥٣/ ٢٩).
(٥) برقم (٢٠٦١).
(٦) د، ص، ز: «زيد بن حارثة».
النَّاس إليه ووُرِّثَ ميراثَه، حتَّى أنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾[الأحزاب: ٥]، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلَم له أبٌ كان مولًى وأخًا في الدِّين. فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّا كنَّا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضْلًا١، وقد أنزل الله ﷿ فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال النبي ﷺ: «أَرضِعيه»، فأرضعتْه خمسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلة ولدها من الرَّضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمرُ بناتِ إخوتها وبناتِ أخواتها أن يُرضِعن من أحبَّت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرًا خمسَ رضعاتٍ، ثمَّ يدخل عليها، وأبتْ ذلك أم سلمة وسائر أزواج النَّبيِّ ﷺ أن يُدخِلن عليهنَّ أحدًا بتلك الرَّضاعة من النَّاس حتَّى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما نَدري لعلَّها كانت رخصةً من النَّبيِّ ﷺ لسالم دون النَّاس.
فتضمَّنت هذه السُّنن الثَّابتة أحكامًا عديدةً، بعضها متَّفقٌ عليه بين الأمَّة، وفي بعضها نزاعٌ.
الحكم الأوَّل: قوله ﷺ: «الرَّضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة»، وهذا الحكم متَّفقٌ عليه بين الأمَّة، حتَّى عند من قال: إنَّ الزِّيادة على النَّصِّ نسخٌ، والقرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة، فإنَّه اضطُرَّ إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدًا على ما في القرآن، سواءٌ سمَّاه نسخًا أو لم يُسمِّه، كما اضطُرَّ إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها وبينها وبين خالتها مع أنَّه زيادةٌ على نصِّ القرآن، وذكر هذا مع حديث أبي القُعَيس في تحريم لبن الفحل على أنَّ المرضعة والزَّوج