زاد المعاد

للآخر لو كان ذكرًا، فهذا نظير الأختين من الرَّضاعة سواءٌ؛ لأنَّ سبب تحريم النِّكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبيِّ منهما الذي لا رضاعَ بينه وبينهما ولا صِهْر، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة وغيرهم. واحتجَّ أحمد بأنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ١.

قال البخاريُّ٢: وجمع الحسن بن الحسن بن عليٍّ بين بنتي عمٍّ في ليلةٍ٣، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته٤، وقال ابن شبرمة٥: لا بأس به، وكرهه الحسن مرَّةً٦، ثمَّ قال: لا بأس به٧. وكرهه جابر بن زيدٍ للقطيعة٨. وليس فيه تحريمٌ لقوله ﷿: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. هذا كلام البخاريِّ.

  1. (١) «مسائل الإمام أحمد» برواية ابنه عبد الله (١/ ٣٤٩)، و«مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» للكوسج (٤/ ١٨٤٤).
  2. (٢) ينظر: «صحيح البخاري» (٩/ ١٥٣ - مع «الفتح»).
  3. (٣) أخرجه الشافعي في «الأم» (٦/ ١٠) ــ ومن طريقه البيهقي (٧/ ١٦٧) ــ وعبد الرزاق (١٠٧٧٠)، من طريقين عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد عنه به.
  4. (٤) تقدم تخريجه آنفًا.
  5. (٥) كذا في جميع النسخ. والذي عند البخاري: «ابن سيرين». وقد أخرجه عنه سعيد بن منصور (١/ ٢٨٥).
  6. (٦) أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢٨٥).
  7. (٧) لم أقف عليه.
  8. (٨) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٠٤٣)، وفي إسناده حبيب بن أبي حبيب الجرمي، وفيه كلام.
165

وبالجملة، فثبوت أحكام النَّسب من وجهٍ لا يستلزم ثبوتَها من كلِّ وجهٍ أو من وجهٍ آخر، فهؤلاء نساء النَّبيِّ ﷺ هنَّ أمَّهات المؤمنين في التَّحريم والحرمة فقط، لا في المَحْرميَّة، فليس لأحدٍ أن يخلو بهنَّ ولا ينظر إليهنَّ، بل قد أمرهنَّ الله بالاحتجاب عمَّن حَرُم عليه نكاحهنَّ من غير أقاربهنَّ ومَن بينهنَّ وبينه رضاعٌ، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].

ثمَّ هذا الحكم لا يتعدَّى إلى أقاربهنَّ البتَّةَ، فليس بناتُهنَّ أخواتِ المؤمنين يَحرُمن على رجالهم، ولا بنوهنَّ إخوةً لهم يحرم عليهنَّ بناتهنَّ، ولا أخواتهنَّ وإخوتهنَّ خالاتٍ وأخوالًا، بل هنَّ حلالٌ للمسلمين باتِّفاق المسلمين. وقد كانت أم الفضل أختُ ميمونة زوجِ رسول الله ﷺ تحت العباس، وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة تحت الزبير، وكانت أم عائشة تحت أبي بكر، وأم حفصة تحت عمر، وليس للرجلِ أن يتزوَّج أمَّ أمِّه١، وقد تزوَّج عبد الله٢ بن عمر وإخوته وأولاد أبي بكر وأولاد أبي سفيان من المؤمنات، ولو كانوا أخوالًا لهنَّ لم يجز أن ينكحوهنَّ، فلم تنتشر الحرمة من أمَّهات المؤمنين إلى أقاربهنَّ، ولا٣ لزِمَ من ثبوت حكمٍ من أحكام النَّسب بين الأمَّة وبينهنَّ ثبوتُ غيره من الأحكام.

وممَّا يدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى في المحرَّمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ومعلومٌ أنَّ لفظ «الابن» إذا

  1. (١) في المطبوع: «يتزوج أمه» خلاف النسخ.
  2. (٢) «عبد الله» ليست في د.
  3. (٣) في المطبوع: «وإلا» خلاف النسخ.
166

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي